الصفحة 21 من 33

أحاديث الباب وما في معناها، ولم تُشْرَعِ الزيارة في ملَّة الإسلام إلا للعبرة والزُّهْد في الدنيا، وتذكُّر الآخرة، والدعاء بالمغفرة للموتى، نسأل الله السلامة.

قال النووي - رحمه الله: قال العلماء: إنَّما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا؛ خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربَّما أدَّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية، ولَمَّا احتاجت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كثر المسلمون، وامتدَّت الزيادة إلى أنْ دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة - رضي الله عنها - مدفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - بَنَوا على القبر حيطانًا مُرتفعةً مستديرة حوله؛ لِئلاَّ يَظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويُؤدي إلى المحذور، ثم بنَوا جِدارَين في ركني القبر الشماليَّيْن، وحرفوهما حتى التقَيا؛ حتى لا يتمكَّن أحدٌ من استقبال القبر؛ ولهذا قال في الحديث - يعني حديث مسلم: (( ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرُه، غَيْرَ أنه خَشِي أن يُتخذ مسجدًا ) ).

وقال الشيخ أيضًا في"الفتح الرباني" (ج 12 ص 39) :"ذَكر بعض شُرَّاح البخاري عن بعض العلماء جوازَ تقبيل قبره - صلى الله عليه وسلم - ومِنْبَره وقُبُور الصالحين وأيديهم؛ لأجل التبرُّك بذلك؛ قياسًا على تقبيل الحجر الأسود، ولا أوافقهم على هذا، بل ما وَرد فيه نصٌّ صحيح صريح عن الشارع قَبِلناه وعملنا بمُقتضاه، وما لا فلا."

نعم، ورَد أنَّ بعض الصحابة قبَّل يدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضهم قَبَّل جبهته، وقبَّلَ بعضُ التابعين يدَ بعض الصحابة، وسيأتي ذلك في أبواب المُصافحة، وتقبيل اليد من كتاب الأدب - إن شاء الله تعالى.

وعلى هذا، فيَجوز تقبيلُ يد الصالحين والوالدين، ومَن تُرجَى بركتُهم، أمَّا تقبيلُ قبره - صلى الله عليه وسلم - ومنبرِه وقبور الصالحين، فلم يَرِدْ أنَّ أحدًا من الصحابة أو التابعين فعَل ذلك، بل ورد النهيُ عنه، فقد روى أبو داود بسند حسنٍ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تَجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تَجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) ).

ولهذا الحديثِ شواهدُ صادقة من أوجه مُختلفة، منها عن علي بن الحسين أنَّه رأى رجلًا يَجيء إلى فُرجة كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، قال: ألا أحدثكم حديثًا سَمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت