الصفحة 6 من 23

مضى في بيان المعنى اللغوي للتجارة: أن التجارة هي الاسم الذي يطلق على هذه العملية الربحية، وأن (المتاجرة) هي العملية الربحية ذاتها، والتي تجري بين طرفين أو أكثر، لأنها (مفاعلة) ، وهذا البناء الصرفي يكون لأمر بين طرفين أو أكثر كـ (مقاتلة) و (مبارزة) .

أما التجارة بالدين: فهي أن يتخذه فرد أو جماعةٌ وسيلة لأغراضهم الدنيوية، من حب الظهور، أو السيطرة على السلطة أو غير ذلك، وهذا النوع محرم بالاتفاق، وستأتي أدلة ذلك.

وذلك لأن من معاني الباء الأصلية: المقابلة، قال ابن مالك: هي الباء الداخلة على الأثمان والأعواض.

نحو: اشتريت الفرس بألف، وكافأت الإحسان بضعف. وقد تسمى باء العوض.

ولم يذكر أكثرهم هذين المعنيين، أعني: البدل والمقابلة.

وقال بعض النحويين: زاد بعض المتأخرين في معاني الباء أنها تجيء للبدل والعوض، نحو: هذا بذاك، أي: هذا بدل من ذلك وعوض منه. قال: والصحيح أن معناها السبب؛ ألا ترى أن التقدير: هذا مستحق بذاك، أي بسببه [1] .

والعوض المقصود هنا: العوض المعنوي، وليس العوض الحسي الذي يكون فيه مبادلة مال بمال، بل هو استخدام الدين كعوض عن الحصول على الدنيا.

وأما التجارة للدين: فهي أن يلتزم المكلف بالأحكام الشرعية فعلا وتركا، وهذه تجارة مع الله، وهي مشروعة باتفاق العلماء، وتشمل الأحكام التكليفية الخمسة، واللام في (للدين) تعليلة (أي لأجل الدين) أو للاختصاص (أي مختصة بالدين) ، والاختصاص هو اصل معانيها، كما ذكر الزمخشري [2] .

تجارة أهل الحق، وتجارة أهل الباطل:

مما أسسنا سابقا يتبين لنا: أن استعمال لفظ التجارة في المعنى المجازي وارد في النصوص الشرعية، لكنه تارة يرد في بيان تجارة أهل الحق الرائجة في العمل بالطاعات، وتارة لبيان تجارة أهل الباطل البائرة بالعمل في المعاصي والموبقات، ومقصود كلا التجارتين عند الفريقين هو نصرة ما عليه من الدين، والتقرب إلى ما يعبدُ من إله.

وثمة تجارة أخرى هي بائرة عند الطرفين، وهي التي يستعمل فيها كل طرف دينه في تحصيل أغراضه الدنيوية، والحصول على المكاسب المادية، ونصرة التوجهات السياسية.

فكما أن هناك من هم بالدين يتاجرون فهناك من لا يقبل ذلك ولا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ هم أيضًا يتاجرون، لكن تجارتهم مختلفة تمامًا؛ إنها تجارة مع الله تجارة لن تبور. [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [ (فاطر:29) .

(1) انظر:"الجنى الداني" (ص 41) ؛ لبدر الدين المرادي.

(2) "المفصل" (ص 282) . وانظر:"الجنى الداني" (ص 96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت