الصفحة 14 من 49

ولقد كان عجيبًا في معرفة علم الحديث، فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون السنن والمسند: فما رأيت من يُدانيه في ذلك أصلًا.

قال: وأما التفسير فمسلم إليه، وله من استحضار الآيات من القرآن -وقت إقامة الدليل بها على المسألة- قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير، وعظم اطلاعه، يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، ويُوهي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا، موافقًا لما دل عليه القرآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة والأوائلَ: نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد.

قلت: وقد كتب"الحموية"في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما يبيض منه مجلد.

وكان رحمه اللّه فريد دهره في فهم القرآن، ومعرفة حقائق الإيمان، وله يد طولى في الكلام على المعارف والأحوال، والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه، ومعوجه وقويمه.

وقد كتب ابن الزملكاني بخطه على كتاب"إبطال التحليل"للشيخ ترجمة الكتاب واسم الشيخ، وترجم له ترجمة عظيمة، وأثنى عليه ثناء عظيمًا.

وكتب أيضًا تحت ذلك:

ماذا يقول الواصفون له ... = وصفاته جلَّتْ عن الحصر

هو حجة لله قاهرة ... = هو بيننا أعجوبة الدهر

هو آية للخلق ظاهرة ... = أنوارها أربت على الفجر

وللشيخ أثير الدين أبي حيان الأندلسي النحوي -لما دخل الشيخ مصر واجتمع به- ويقال: إن أبا حيان لم يقل أبياتًا خيرًا منها ولا أفحل:

لما رأينا تقي الدين لاح لنا ... = داعٍ إلى اللَّه فردًا ماله وزر

على محياه من سيما الأولى صحبوا ... = خير البرية نورٌ دونه القمر

حَبْر تسربل منه دهره حِبَرًا ... = بحر تقاذفُ من أمواجه الدرر

قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... = مقام سيد تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت