الصفحة 48 من 49

إن شيخ الإسلام في تاريخه العلمي الجهادي لم يثبت عنه فحشا ولا تفحشا؛ لا في القول ولا في العمل، كيف وهو العالم التقي العابد الورع، ورغم ما رماه به خصومه، إلا أنه لم يتجن على أحد منهم، بل عاملهم معاملة الإخوان الذين يحبهم ويعتذر لهم ويصبر عليهم، وكان مشفقا عليهم، رحيما بهم، معتقدا أنهم لم يستوعبوا ما يقول، وإلا لما خالفوه.

وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام وهو يرد على البكري: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية، حصلت لرؤوسهم، في قصور من معرفة المنقول الصحيح، والمعقول الصريح الموافق له) .

إن التكفير المطلق هو الحكم بالكفر على القول أو الفعل الذي يناقض الإسلام وعلى القائل أو الفاعل على سبيل الإطلاق ودون تعيين، وأما تكفير المعين فهو الحكم على القائل أو الفاعل بعد استيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه، ذلك أنه ليس كل من قال أو فعل بدعة أو كفرا يحكم عليه بالبدعة والضلال أو الكفر ويقال له مبتدع أو كافر، كما أنه ليس كل من خالف عقيدة السلف فهو مبتدع ضال أو كافر، بل يختلف إطلاق الحكم بالبدعة والضلال والكفر بحسب الأحوال والأشخاص، وليس الحكم على الأقوال والأفعال كالحكم على القائل الفاعل، بل ربما يكون القول أو الفعل كفرا مغلظا وصاحبه معذورا مغفورا له.

فبعد أن بين شيخ الإسلام أن الاعتقاد الذي ذكره في الإيمان هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنه هو اعتقاد الفرقة الناجية لفظا ومعنى، ذكر أنه ليس كل من خالف في هذا الاعتقاد هالك، بل قد ينجو لأسباب اعتبرها الشارع وذلك من رحمته تعالى؛ منها الاجتهاد، وعدم بلوغ العلم، والحسنات الماحية، والتوبة، ومغفرة الله تعالى، ونحوها، فقال في المجموع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت