ورد في النصيحة الذهبية المنسوبة زورا للإمام الذهبي كثير من الكلمات التي يترفع عن ذكرها أراذل الناس، فكيف تخرج من لسان الذهبي؛ ذلك الناقد العظيم، والجبل الشامخ في علم الجرح والتعديل، واللسان المعتدل في التراجم، فالكلام الذي ورد فيها يخالف كلامه في سائر كتبه أسلوبا ومعنى، فلسان الإمام أنظف، وقلبه أعلم وأتقى، ومنهاجه نصر السنة وقمع البدعة.
والكلام في محتوى الرسالة الذهبية كالآتي:
أما قوله: (واأسفاه على السنة وأهلها) ؛ إن كان يقصد منه تراجع السنة في زمن شيخ الإسلام، فهي مخالفة للواقع والحقيقة الموجودة، والتي يعلمها القاصي والداني؛ فكيف بالذهبي، ذلك الإمام الناقد المؤرخ الذي درس أزمان ما قبل ابن تيمية وما عاصره، وما أتى بعده، فشيخ الإسلام وما قدمه من تراث من أعظم ما نصر الكتاب والسنة، ومن أعظم ما دافع عن أئمة الأمة وعلمائها، معتذرا لهم فيما أخطئوا فيه، وشاكرا ومعظما لهم فيما أصابوا فيه، والإمام الذهبي لم يخف عليه هذا الأمر، بل هو من أعلم الناس بذلك، فهو مدون في كتبه، وهو مقر بأن شيخ الإسلام قد رفع راية التوحيد فوق جميع الرايات، فلم يبق رحمه الله لا فلسفة ولا تصوفا ولا كلاما ولا تشيعا يخالف الحق الثابت بالكتاب والسنة والإجماع إلا ونسفه بالأدلة الدامغة والبراهين القاطعة، والمطلع على تراجم شيخ الإسلام عند العلماء المنصفين لا يجد إلا أن السنة قد استردت عافيتها المسلوبة أزمانا طوالا، بل هذا موجود في تراجم الذهبي نفسه.
وأما قوله: (واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات .. ) ، فلقائل أن يقول: إن الذهبي يقصد بكلامه شيخ الإسلام، فهو حزين على فراقه، وقد أحس بفراغ كبير وغربة شديدة في ظل انتشار البدع والضلال بعد أن غادر من كان لها دائما بالمرصاد، وهذا يجعل من كلمته الأولى (واأسفاه على السنة وأهلها) أن السنة قد عزت في زمن شيخ الإسلام، والذهبي يتأسف على تراجعها بعد وفاته،