ثم إنه قد يوجه كلام الذهبي القائل: (إنه تعب في وزنه وتفتيشه سنين متطاولة، فما وجد قد أخره بين المصريين والشاميين، ومقتته نفوسهم بسببه، وازدروا به، وكذبوه، بل كفروه، إلا الكبر والعجب والدعاوي، وفرط الغرام في رياسة المشيخة، والازدراء بالكبار، ومحبة الظهور) كالآتي:
لما قام المناوئون لشيخ الإسلام من المصريين والشاميين عليه، ذهب الإمام الذهبي ليفتش عن سبب قيامهم عليه وعن أخطائه التي جرتهم إلى عداوته؛ فما وجد شيئا يذكر عند شيخ الإسلام لكي يحسب عليه، مما جعله يخلص إلى أنهم تحاملوا عليه ومقتوه وازدروا به وكذبوه بل وكفروه؛ وانتقاداتهم لشيخ الإسلام مجرد دعاوى لا تثبت على ساق، مما سلطهم على الكبار؛ لا لشيء إلا أنه في نفوسهم كبر وعجب وفرط غرام في رياسة المشيخة ومحبة الظهور؛ وابن تيمية رحمه الله تعالى واحد من هؤلاء الكبار الذين عناهم الإمام الذهبي، وعليه فإن كلام الذهبي هو في مدح ابن تيمية وذم أعدائه لا العكس، والله أعلم.
ومما يقوي هذا التوجيه ما قاله الإمام الذهبي بعد ذلك: (فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور نسأل الله تعالى المسامحة، فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، ولكن ما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم، بل بذنوبه، وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون فلا تكن في ريب من ذلك) (زغل العلم 38) .
قلت: فالإمام الذهبي يقصد بأصحاب الدعاوى ومحبة الظهور أولئك الذين قاموا على شيخ الإسلام؛ الذين ليسوا بأورع منه ولا أعلم ولا أزهد منه، ومن قلة ورعهم أنهم يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم، ولا يفوتون شيئا لمن خالفهم إن لم يكن من أصحابهم وأصدقائهم، وكونهم قد سلطهم الله عليه فليس ذلك لمكانتهم عند الله تعالى، بل هي منحة لشيخ الإسلام في صورة محنة؛ يكفر الله تعالى بها عن ذنوب عبده الذي قام بالحق وانتصر له وصبر على من آذاه فيه، وما دفعه الله عن شيخ الإسلام وأتباعه أكثر، ثم يدعو الإمام الذهبي إلى العبرة بما