الصفحة 4 من 49

إنّ التاريخ الفكري مركب صعب، وطريق وعرة ملتوية، تتطلب همة عالية ودقة في التحقيق، وطول نفس في الغوص في جذوره، مع خلفية علمية قوية، مسلحين بالعدل والإنصاف والموضوعية، لأن المؤرخ باحث عن فكرة، والأفكار والنوايا محلها القلوب، وإدراك ما في القلوب يعز حتى في حياة أربابها، ولكن تلك المؤلفات والآثار الثابتة التي يتركها من نريد دراسته هي المعول عليه في البحث؛ توثيقا وتحقيقا، ابتغاء التوصل إلى مفاهيم وأحكام عادلة، عارية عن الأغراض، ولذا فإن مؤلفات كل من شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الذهبي هي مناط الأمل ومعقد الرجاء في هذا البحث الذي نعالجه.

فالباحث الذي يجعل مقصوده إدراك الحق؛ لابد له من جمع الأدلة وتقويمها، ومن ثم تمحيصها وأخيرًا تأليفها؛ ليتم عرض الحقائق أولًا عرضًا صحيحًا في مدلولاتها وفي تأليفها، فيدرسها ويفسرها ويحللها على أسس علمية منهجية دقيقة؛ تلك الأسس الخاصة بدراسة السند والمتن للنص التاريخي، والخاصة بدراسة الوثائق شكلا ومضمونا؛ والموروثة عن علماء الحديث والتاريخ وعلماء الجرح والتعديل، حتى يتم التوصل حينئذٍ إلى استنتاج موضوعي وحكم عادل.

إنه مما لابد منه في هذا النوع من الدراسات مراعاة: متى كتبت الوثيقة؟، وهل ثمة ما يشير إلى كاتب الوثيقة؟، ومتى ظهرت الوثيقة ومن الذي أظهرها؟، وهل هناك ما يشير إلى الموضوعية من عدمها؟، وهل هناك تناقض في محتويات الوثيقة؟، وهل تتفق الوثيقة في معلوماتها مع وثائق أخرى صادقة؟، وهل تمت كتابة الوثيقة بخط صاحبها أم بخط شخص آخر؟، وهل النسخة مطابقة للأصل إن وجد؟، وهل تتحدث الوثيقة بلغة وثقافة صاحبها المعروفة عنه؟ أم تتحدث بمفاهيم ولغة مختلفة؟، وغير هذه الأسئلة كثير؛ مما يتوصل به إلى نقد النص التاريخي نقدا سليما من الداخل والخارج.

إن الأخبار هي محل الحكم بالصدق والكذب، والكذب له أسبابه ودوافعه ومقتضياته؛ من التعصب للمذهب، والطائفية، وقلة الباع في معرفة أحوال الرجال، وكذا غياب التقوى وطغيان النفوس والسير وراء المصالح والأغراض، وعدم فقه الملابسات والقرائن، أضف إليها بلادة المحقق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت