الصفحة 16 من 49

وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله تعالى في نوبة قازان (ملك من ملوك التتار قابله ابن تيمية وأنكر عليه وأمره بإطلاق أسرى المسلمين ففعل) ، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد وطلع، ودخل وخرج، واجتمع بالملك - يعني قازان- مرتين، وبقَطْلوشاه، وبُولاي، وكان قيجق يتعجب من إقدامه وجراءته على المغول.

وله حدة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرِب، وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، وفيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبًا، والله يغفر له، وله إقدام وشهامة، وقوة نفس توقعه في أمور صعبة، فيدفع الله عنه.

وله نظم قليل وسط، ولم يتزوج، ولا تسرى، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غذاء ولا عشاء في غالب الوقت.

وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم، وهو فقير لا مال له، وملبوسه كآحاد الفقهاء: فَرَّجِيَّه، ودِلْق، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهمًا ومداس ضعيف الثمن، وشعره مقصوص.

وهو رَبْع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، ويصلي بالناس صلاة لا تكون أطول من ركوعها وسجود، وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، الكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحنِ لأحد قط، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم، وقد يعظم جليسه مرة، ويهينه في المحاورة مرات.

قلت: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء التتار سنة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذبِّ عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهمِ من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم، وتلا قوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] ، وقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ} [التوبة: 39] .

وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد -وكان هو القاضي حينئذ- فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت