تحقق هذا الوجه من المصلحة بمباشرة المرأة للعقد بعبارتها مع موافقة وإذن وليها. فإن إنزال الولي موضع الأهمية للقول بصحة عقد النكاح لا يمنع الجمع بين إذن الولي ومباشرة المرأة للعقد، إلا إذا قيل إن الغالب في شأن عقد الزواج عندما تباشره المرأة بعبارتها أن يكون بغير إذن الولي، وإلا لباشره بنفسه.
4 -إن هذا الخلاف القائم قديمًا وحديثًا حول مدى اشتراط الولي في عقد الزواج وهل تتوقف على مباشرته للعقد، صحته، أم يكفي إذنه لإجرائه صحيحًا، وللمرأة مباشرة العقد بعبارتها - على الرغم من قيام هذا الخلاف الذي يورث شبهة في الحكم ببطلان النكاح لغياب الولي- نظرًا لشبهة الاختلاف بين العلماء، لوجود الاحتمال في الاستدلال، لكن على الرغم من وقوع هذا الخلاف المعتبر نظرًا لقيام أسبابه -لا نجد إسقاطًا كليًا للولي من ابتداء عقد الزواج وحتى الحكم بوقوعه صحيحًا نافذًا دون اعتبار موافقته، وحقه في كفاءة الزوج حتى ولو عن طريق حقه في الاعتراض على العقد، كما هو القول عند أبي حنيفة- إذ غاية ما تقطع به الأدلة عند الحنفية الحرص على رضا المرأة وموافقتها على هذا الزواج والبعد عن استئثار الولي بالعقد دون أدنى اعتبار لموليته البالغة العاقلة، دون القطع باستئثارها بالعقد دون وليها - أو عن طريق توقف صحة العقد بعبارة المرأة على إذنه أو إجازته، كما هو القول عند محمد بن الحسن الشيباني وأبي ثور من الشافعية.
5 -مع التسليم بتطرق الاحتمال لأدلة الجمهور حينًا، وضعف الأسانيد في الأحاديث منها حينًا آخر، إلا أنه يصعب القول بصحة عقد الزواج المدني -الذي نحن بصدد دراسته- مع غياب الولي مطلقًا، وبعبارة المرأة، إلا من حيث ابتداء العقد تخريجًا على قول أبي حنيفة، ويمكن الحكم بوقوعه صحيحًا نافذًا على قوله أيضًا إذا كان الزوج كفؤًا فعلًا، أو لم يكن للمرأة ولي أصلًا، فيسقط حقه في الكفاءة لعدم وجوده (126) .
6 -إن من الأهمية بمكان ملاحظة أنه ليس في القانون المدني المعمول به -في مجال هذه الدراسة- ما يضمن حق الولي في الاعتراض أو ما شابه، لسقوط اعتباره كليًا، فحتى مع القول بأن مباشرة عقد الزواج أمر شكلي، سواء باشرته المرأة بعبارتها، أم باشره وليها بعبارته، وإنما المهم والمعتبر في تحقيق المقصد من اشتراط الولاية مراعاة مصلحة المرأة، وحق وليها في هذا العقد -حتى مع القول بشكلية الأمر، إلا أن الصورة التي نحن بصددها هنا تُسقط اعتبار الولي في المظهر والجوهر معًا.
هذا وقد جاء ضمن قرارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بعد دراسته لموضوع الولاية في النكاح ما نصه"... وقد ذهب المجلس بعد مداولاته إلى أن الحرص على موافقة الولي عند إجراء العقد (عقد الزواج) مطلوب دينيًا واجتماعيًا، لكن إن اقتضى الحال تزويج المرأة بدون ولي لظروف معينة كتعذر إذنه أو كعضله، فلا بأس من العمل بقول من لا يشترط الولي لابتداء العقد، وأما إذا تم العقد دون ولي، فإنه عقد صحيح مراعاة لقول المخالف" (127) .