كما استمدت الأمة الإسلامية الشرعية باستنباط الأحكام الشرعية، والتصدي لأي نازلة بالتنظيمات الشرعية الملائمة للبلاد، وعباد بالعديد من الأحاديث النبوية الشرعية لعل أهمها ما يلي:
أ قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه: أورد أبو داود في سننه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن، قال: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء، قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ولا في كتاب الله، قال: اجتهد رأي ولا ألو. فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [1] . وهذه الراوية تدل على جواز الاجتهاد عند عدم وجود النص مطلقًا للقضاة، وأمثالهم من المنظمين - المشرعين -. كما يشمل حكم هذا النص على عموم الاجتهاد في القضاء، وغيره والذي يشمله التنظيم أيضاَ.
ب ما وري عن علي - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر قد ينزل بالمسلمين، ولم ينزل فيه قرآنا، ولم تمض فيه سنة. فأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: اجمعوا له العالمين من المؤمنين واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد .... ) [2] .
(1) - رواه أبو دود في سننه، مج 5/ 212 برقم 3447
(2) - ذكره الخطيب البغدادي في باب القول في الاحتجاج بصحيح القياس ولزوم العمل به من كتاب الفقيه والمتفقه، قال: أنا أبو القاسم علي بن محمد بن موسى البزار، وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل قالا: أنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، أنا محمد بن الربيع بن بلال العامري، أنا إبراهيم بن أبي الفياض، أنا سليمان بن بزيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء، قال: اجمعوا له العابدين من أمتي، واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد.
وساق ابن حجر في [لسان الميزان] هذا الحديث في ترجمة سليمان بن بزيع، ثم قال: قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان ليسا بالقويين، ولا يحتج بهما.
قلت: وقال الدار قطني في [غرائب مالك] : لا يصح، تفرد به إبراهيم بن أبي الفياض، عن سليمان، ومن دون مالك ضعيف، وساقه الخطيب في [كتاب الرواة] عن مالك من طريق إبراهيم، عن سليمان، وقال: لا يثبت عن مالك والله أعلم. انتهى.
ثم هو مخالف لما جرى عليه العمل قرونا كثيرة حيث كان كل من المجتهدين يعمل بمقتضى اجتهاده ويحكم به، وكان الصحابة، بل الرسول صلى الله عليه وسلم يقبلون مشورة الواحد ويعملون بها، ولم يكن من شأنهم أن يجمعوا العالمين في كل ما نزل بهم، ثم لو ثبت لم يزد على أن يكون نصا.) منقول من أبحاث هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، إصدار عام 1421 هـ، ج 3/ 199. كما أورد هذا الحديث ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، وذكر أن هذا الحديث غريب جدا من حديث مالك، ج 1/ 65