إدارة الأعمال؟ وماذا عن الحب والعاطفة والإبداع والفنون؟ ماذا عن مشاعر البهجة والتراحم بين عوالم الإنسان والحيوان والطبيعة؟ ماذا يحدث لنفوسنا كأفراد وأرواحنا كاملة؟
في قرن ما تم تنظيم الحياة حول العلوم المادية والإنتاج الصناعي، وأفرزنا الاعتقاد الذي يقول: إن الذي يستحق التقدير يقتصر على ما نلمسه ونحلله، وننتزعه ونثبته، وندفع ثمنه لله، فإلى أيِّ مدًى يصدق هذا الاعتقاد؟ إن الاعتقاد الذي يتركَّز حول الصناعة جعل كل ما هو غير محسوس ولا مادي قليل القيمة ويستحق الإهمال، فلماذا نقتصر في تعليم الناس على ما يمكن التحكم والتنبؤ به، في الوقت الذي يعيشون حياة مليئة بالغيب والمعنويات والاحتمالات؟
وإذا كان العلم المادي يعلمنا أن الكائن الذي يستحق التقدير هو الآلات وما تفرع عنها مما يحقق مزيدًا من المتع الحسية، فبماذا إذًا نجيب أبناءنا وناشئتنا حين يختارون تناول المخدرات التي تجعلهم يحسون بنشوة أكبر، ويتخيلون أنهم أجمل وأقوي؟" [1] ."
وكانت نتيجة هذا النقد المستمر للفلسفات التربوية أن ظهر اليوم فلسفتان تربويتان: الأولى هي (الفلسفة الشمولية) HOLISTIC EDUCATION والثانية هي (فلسفة التربية الكونية) (GLOBAL EDUCATION) .
وترفض الأولى - أي: الفلسفة الشمولية - التخصصات المبتورة، والتي قادت إلى القطيعة بين علوم الدين والإنسانيات والاجتماعيات - أي: علوم غايات الحياة - من ناحية وبين العلوم الطبيعية - أي: علوم وسائل الحياة - من ناحية أخرى؛ لأن الفصل بين القسمين أفرز فريقين من الناس: أناس يدعون إلى غايات الحياة دون أن يملكوا وسائل تحقيقيها، وأناس يملكون وسائل الحياة ويسيئون استعمالها [2] .
أما الثانية - أي: فلسفه التربية الكونية - GLOBAL EDUCATION فقد تطورت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وكان من أسبق المنادين بها المربي الأمريكي (جيمس بيكر) الذي بدأ كتاباته ببحث مشترك مع زميل له هو لي أندرسون بعنوان"ركاب على الأرض سواء" [3] ، ثم أتبعه بكتيب عنوانه
(1) يجب أن لا يقعدنا هذا النقد للعلم وتطبيقاته عن البحث العلمي وتطبيقاته؛ لأنه إذا كان الغرب مصابًا بالإفراط والإسراف في تقديس العلم وإهمال القِيَم الدينية، فنحن مصابين بالتفريط وإهمال العلم، ولذلك فالمطلوب هو"فلسفة تربوية"تعالج الانشقاق القائم بين الدين والعلم وتحقق التكامل بين الاثنين.