ونستطيع أن نضيف إلى هذه العوامل، عامل الحج الذي كان المغاربة يذهبون إليه بعد إسلامهم، على يد عقبة بن نافع واتصالهم هناك بالعرب، واحتكاكهم بالعلماء، وإحضارهم الكتب إلى المغرب.
ويعود عباس الجراري ليقول ملخصا هذه العوامل:"وليس من شك في أن المغرب لهذه العوامل مجتمعة وخاصة قدوم الأندلسيين في هجرة منظمة تظم الكثير من الفقهاء ورجال العلم، قطع مرحلة في التعريب لا يستهان بها كان من المنتظر أن تعقبها مراحل أخرى لولا أنه تعرض في أواخر أيام الأدارسة وبعدها لاضطراب شديد ظل يعانيه حتى عهد المرابطين". 31
لكن ورغم توفر كل هذه العوامل يبقى الحديث عن مجتمع معرب في هذه الفترة أمرا صعبا، بمعنى أنه حين جاء إدريس بن عبد الله وجد الناس شديدي الجهل بالعقيدة 32 بمعنى أن إسلام الأمازيغ كان سطحيا وإن استهوته قلوبهم.
لأن الفتح لا يعني بالأساس التطويع والحمل على الطاعة والاعتراف بسيادة دولة الخلافة الإسلامية بالمشرق، ولا يعني بالضرورة تفهما عميقا للدين، وإن كانت وقائع الفتوحات تذكر عادة مصحوبة بعبارة"وأسلم البربر وحس إسلامهم"، كما أنه لا يعني استعمال اللغة العربية في التخاطب اليومي. 33
ويكفي أن نستحضر ما قاله عبد الله العروي من أنه إذا كان إسلام الأمازيغ في هذه الفترة المبكرة للإسلام سطحيا في المبادئ العامة، فلا شك أن تعريبهم كان أكثر سطحية. 34
في مقابل هذا ورغم أن البربر كانت معرفتهم باللغة العربية سطحية فهذا لا ينفي أنهم كانوا يحتكون بها يوميا،"وقياسا على ذلك كله يتضح أن الخط العربي الإسلامي احتك بالخط المغربي المحلي منذ الفتح الأول واثر فيه وتأثر به إلى أن استقام الأمر للخط الإسلامي المغربي، المعروف بالقلم المغربي والمتميز بمميزات خاصة عن بقية الأقلام المشرقية. ومنذ فتوحات عقبة بن نافع بالمغرب عرف عرب المغرب القدماء (البربر) الخط الإسلامي ولا بد أنهم على الرغم من تكلمهم بلسانهم الخاص فقد تعلم الجرمانيون لغة الرومان اللاتينية وكتبوها ولكنهم تكلموا بلسانهم الأصلي". 35
ومجمل القول في هذه الفترة أن حركة التعريب كانت قد بدأت تشق طريقها نحو مفاصل الدولة، فبعدوتي فاس نلمس آثار التعريب الذي استمد قوته من العناصر الأندلسية والقيروانية. 36
ويبدو أنه ما كان بإمكان هذه المدينة التي أصبحت مرفأ لهذه الجماعات أن تفلت من التعريب بل إنها سخرت جهدها لتعريب المغرب.
والملاحظ أيضا أن المناطق التي استقر فيها الأمراء الأدارسة، وحاشيتهم قد بدأت تحتضن اللغة العربية، وكما هو معلوم استفاد إدريس من خبرة الجالية القيروانية في تعريب الإدارة بدليل خطبته، والكتابة المنقوشة على السكوكات. 37