ظلم أوقعه به الحاكم، والحمد لله فإن موقف الإمام أحمد في هذه الفتنة كان محل تقدير وإجلال من قبل كل المنصفين، حتى إن بعضهم شبهه بموقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قتال المرتدين.
وقد ذكر الدكتور محمد عُمارة علاقة أبي عبيد بثابت بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي - أحد أمراء الأجناد على الثغور - ليستدل بها على العلاقة الطيبة بين أبي عبيد وقادة الحكم والسياسة، ولعل الدكتور محمد عُمارة لا يعلم أن ثابت بن نصر [1] يشبه في الفضل أخاه الشهيد أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، ذلك الرجل الذي امتحنه الواثق العباسي بالقول بخلق القرآن، فأبى أن يقول بذلك، فتولى الواثق قتله بيده، ولم يكِل قتله لسياف، فلما قطع رأسه ظل لسانه يردد الشهادة، ويقرأ القرآن العظيم بمعزل عن باقي جسده، بشهادة جماعة من الناس [2] .
والعثرة الثانية للدكتور محمد عُمارة؛ هي رفعه من شأن عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، فقد أورد في مقدمة التحقيق ثناء الحافظ ابن حجر العسقلاني على أبي عبيد، وعلى كتابه الأموال، فقال نقلا عن الحافظ ابن حجر أنه قال: وكتاب أبي عبيد في الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده. اهـ.
قلت: هذه العبارة نقلها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب [3] ، من كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي [4] ، فقال: (وعن بعض) ، وقد نقلها المزي من كتاب تاريخ بغداد [5] بسنده إلى الخطيب البغدادي، ولما كان سياقها مع إسنادها طويلا، فقد أخذها ابن حجر، وأبهم قائلها، ولكنه لم ينسبها لنفسه، فكان من المهم جدا أن يميز المحقق بين الأقوال، ونسبتها إلى قائلها، وهي شهادة معتبرة، إما من الخطيب نفسه، أو من عبد الله بن جعفر بن درستويه، ولكنها قطعا ليست من كلام الحافظ ابن حجر، وقد جاءت في سياق يزن أبا عبيد ومصنفاته بميزان معتدل جدا.
(1) راجع ترجمة ثابت بن نصر في تاريخ بغداد (7/ 142) .
(2) راجع ترجمة أحمد بن نصر في تهذيب الكمال (1/ 505 وما بعدها) .
(3) راجع ترجمة أبي عبيد في تهذيب التهذيب (3/ 411 ب) .
(4) راجع ترجمة أبي عبيد في تهذيب الكمال (23/ 365) .
(5) راجع ترجمة أبي عبيد في تاريخ بغداد (12/ 405) .