الصفحة 8 من 24

ولعل من المدهش أن القرآن الكريم، في معرض تعرضه لهذه الديانة، لم يستخدم هذه النعوت السالفة، بل سماهم"نصارى" [1] ، وفي لسان العرب وجدت في باب نصر على غير القياس [2] ، مع أنه وصف عيسى عليه السلام بأنه"المسيح"، بيد أنه لم يسمِّ الذين اتبعوه بالمسيحيين، تمامًا كما لم يثبت للبحاثة الغربيين أن"المسيح أو يسوع"، الذي يعتقدون بأنه محور دينهم، قد أطلق تسمية"مسيحيين"على أتباعه؛ ولذلك تجد المسلمين - في التاريخ - يسمون هذا الدين بالنصرانية [3] .

المؤسسون: (من هو المؤسس الفعلي للنصرانية الحديثة عند الباحثين الغربيين) ؟

يعتقد الغربيون أن المسيحية في شكلها الراهن تدين في وجودها إلى ثلاثة أشخاص، إذا أخفى التاريخ دور أي منهم، اختفت المسيحية، بل واختلفت عن تكوينها المعاصر.

أول هؤلاء الثلاثة سموه بالعربي"يسوع الناصري"، الذي يعتقدون أنه الرمز الذي تدور المسيحية حول شخصيته الفريدة، وثاني الثلاثة هو شاول، أو بولص الرسول، كما اشتهر بذلك، فهو في

(1) {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 113] .

(2) ابن منظور: (جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري) لسان العرب ج 1، الدار المصرية للتأليف بدون تاريخ، باب نصر (لم يستعمل نصران إلا بياءي النسب .. قالوا: رجل نصراني، وامرأة نصرانية ... النصارى جمع نصران ونصرانة، إنما يريد بذلك الأصل دون الاستعمال، وإنما المستعمل في الكلام: نصراني ونصرانية، بياءي النسب، ويجوز أن يكون واحد النصارى نصريًّا، مثل: بعير مهري وإبل مهارى، وقال الليث: زعموا أنهم نسبوا إلى قرية بالشام اسمها نصرونة، وقد جاء أنصار في جمع النصران، ونصران قرية بالشأم ينسب إليها النصارى، ويقال: ناصرة ... والتنصر: الدخول في النصرانية، وفي المحكم: الدخول في دين النصري(* قوله"في دين النصري"هكذا بالأصل) ، ونصَّره: (جعله نصرانيًّا) .

(3) النصرانية عند المسلمين نجدها تخالف المسيحية المعاصرة في جوهرها، وملخص ذلك: أن النصرانية هي تلك الديانة التي أنزلها الله إلى"الإنسان"عيسى ابن مريم البتول، عبد الله ورسوله، المجتبى كغيره من الرسل، مكملة لرسالة موسى عليه السلام، ومتممة لما جاء في التوراة بما جاء في الإنجيل من شرائع، وموجهة بصورة مخصوصة لبني إسرائيل، وداعية في إنجيلها الذي هو وحي من الله إلى التهذيب الوجداني، والرقي العاطفي والنفسي والأخلاقي، ومبشرة بمحمد صلى الله عليه وسلم، بيد أن هذا الدين سرعان ما فقد أصوله، وذلك الإنجيل سرعان ما ارتفعت قيمة صدقه بارتفاع صاحبه، وسرعان ما امتدت إليه يد التحريف من كل جانب، وأدخل فيه ما ليس منه، فانقلب هداه ضلالًا؛ لذلك أنزل الله وحيًا آخرًا تكفل بحفظه، فجَبَّ ما قبله مِن هدًى غلَبه الضلال، والشيء الذي نريد إثباته في هذه اللحظة هو أن اسم ومفهوم نصرانية ينبغي ألا يطابق اسم ومفهوم مسيحية؛ لذلك ستجدنا نستخدم"مسيحية"على طول صفحات هذا البحث، خاصة ونحن نتحدث عن المسيحية المعاصرة كما يفهمها الغرب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت