الصفحة 22 من 25

إن قيام الفتوى مبنية على حجية الدليل، ولهذا فإن الأئمة وأهل الاجتهاد ينظرون إلى صحة النص في بيان ما يرتبط به من الأحكام الشرعية، فنجد على سبيل المثال أن بعض العلماء جوز للرجل أن يعقد ضفائر لشعره بناء على صحة حديث أم هانئ رضي الله عنها، ولكن الأمر المتفق عليهم بينهم - وهو بيت القصيد- أن الأمر ليس على إطلاقه، لأن فعله عليه الصلاة والسلام الجِبِلّي الذي يرتبط بعاداته وتقاليده لا يُلزم المرء بفعلها، كما لا يلزم المرء بتركها إلا بالقيد المتقدم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بفعله تبيين حكم شرعي تتبعه الأمة في ذلك، وحتى لو كان فعله صلى الله عليه وسلم يتأسى به، ولكن المراد بالفعل خصوصا ما أريد به التشريع لا الأمور العرفية في زمنه عليه الصلاة والسلام، فلا بد من التفريق بين أمرين أساسين:

الأمر الأول: الأفعال التي يقصد بها التشريع: وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم على وجهِ تَبيينِ الحكم الشرعي، فإن مبناها على التوقف في حكمها وهيأتها، ومن ادعى أن شيئا مما قد جعله الله تعالى حُكما لعباده فعليه بالدليل، فإن الأحكام قد تمت وقد كملت وإلا فهو داخل في قوله عليه الصلاة والسلام:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد." [1]

والأمر الثاني: ما كان من سنن العادات: وهي الأفعال التي تعارف عليها الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وصارت شعارا لتقاليدهم وأحوالهم، فهي مبنية على الإباحة استصحابا لأصلها، ولا يحرم منها إلا ما دل الدليل على تحريمها أو تحريم جزئية منها، فللإنسان أن يلبس ما يشاء ويأكل ما يشاء ويعمل ما يشاء من مختلف الحرف والصناعات ولكن بشرط أن لا يخالف عادة الناس وما تعارفوا عليه، فلو أن أحدا خرج في بلدة قد تعارف أهلها على لبس العمائم البيض، وقد لبس عمامة سوداء، فحتى لو كان قصده التأسي بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه قد خالف الجمع الغفير وجلب الأنظار إليه وأعان الناس على اغتيابه، ولا يقولنَّ أحدٌ إنما هو يطبق السنة ولو ضحك عليه الناس، لأن إثبات أن الفعل سنة مناطٌ بدليله وهذا ما يخرجنا عن مبحثنا ألا وهو العادات دون العبادات؛ فالواجب على المرء أن يفقه الفرق الدقيق بين القضيتين، فكون الشيء فعله النبي

(1) البخاري (2141) ومسلم (1718) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت