الصفحة 9 من 25

والأزمان كان عامل العرف هو الحَكَم في تحديدها وبيانها، (فقد تجري عادة بلد بمباشرة أمور، ولو باشرها غيرهم لعُدَّ ذلك خرما للمروءة وإن كانت مباحة شرعا، كالأكل في الأسواق والانبساط في المداعبة والمزاح ونحو ذلك) [1] .

ومن الأمثلة الواضحة على ما ذكر تعارف الناس على ستر الرأس في بلد دون آخر، بل قد يعتبر من لا يستر رأسه في بعض البلدان خاصة في المناسبات والتجمعات من خوارم المروءة، وقد تجد في بعض البلدان أيضا أن الناس تعارفت على الأكل في المطاعم أو في محلات خاصة، وقد يعتبر في بلد آخر هذا من الأمور الساقطة، وهكذا المرء في بيته قد يفعل أشياء لا يقدر على فعلها أمام الناس من المباح، كلبس ثياب النوم والمزاح والكلام المباح مع أهله، فظهر أن العرف إلى جانب كونه أصلا في تنظيم حياة الناس فهو من ناحية أخرى يتعلق تعلقا وجوديا أو عدميا بالزمان والمكان واختلاف طبائع الناس وصنوفهم.

لا شك أن تعلق الحكم الشرعي بالنص هو تعلق حتمي وجوبي، إذا الحكم التكليفي مستمده من النص، أو ما كان عائدا إلى النص (الإجماع والقياس) ، ولا يقوم مدلول النص من حيث الإلزام به أو عدمه إلا إذا قامت قطعية ثبوته، فإن مرجع الأحكام عائد إلى صحة النص من حيث الثبوت، وقطعي الدلالة من حيث الناظر فيه، فإنه من الممكن اختلاف دلالة طائفتين في نص صحيح، فيفهمه كل مجتهدٍ ناظرٍ بحَسَب ما يفتح الله عليه، ولا خلاف أن القواعد لا ترسى إلا على بسيطة صحيحة، ولهذا قيل (أثبت العرش ثم انقش) ، ومسألتنا تقوم على أصل وهو ما سنتكلم فيه، لأن الاستدلال بالضعيف عند أولي التحقيق ضعيف، والكلام حول هذه الجزئية معروفة في كتب أهل الحديث.

(1) ضوابط الجرح والتعديل (131) تأليف د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ط- العبيكان الطبعة الثانية (1438 - 2007 م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت