يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) . [1]
إن أعراف الناس وعاداتهم تختلف باختلاف الزمان والمكان لا محال، وهذا ما يسميه الأصوليون بالعرف الخاص أي يختص بنوع أو جنس أو فئة دون غيرهم، قال الرازي (العرف الخاص فهو ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كالنقض والكسر والقلب والجمع والفرق للفقهاء والجوهر والعرض والكون للمتكلمين والرفع والنصب والجر للنحاة) [2] ، وقد عُرّف بأنه (العرف الذي يتعارفه بعض الناس، أو الذي يتعارفه طائفة معينة، أو بلاد معينة) [3] ومثال ذلك تعارف أهل العراق على إطلاق لفظ الدابة على الفرس، وتعارف أهل الخليج على لبس الغترة أو الشماغ، وتعارف أهل موريتانيا على استبدال لفظة (ابن) بلفظ (ولد) فيقال مثلا عمرو ولد عثمان وهكذا.
وهذا المتعارف عليه تتماشى معاملات الناس ومصالحهم بحسبه، فما كان في بلاد فلا يفرض على أخرى، وما تعارف عند قوم فلا يفرض على آخرين، ما دام الأمر قد أنيط بالشرع وأقر به، ولهذا علق أهل الحديث في قبول الرواية على كون الراوي قد خلا مما يشين حاله فتُترك روايته، لأنها تتعلق تعلقا مباشرا بعدالته، ومن الأمور التي ذكروها رحمهم الله تعالى اتصاف الراوي بالمروءة، وهي (آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسانَ على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات) [4] فهذه الآداب والمحاسن تختلف من مجتمع إلى آخر، بل قد يكون منها في ما هو ضد الآداب في مجتمع أو زمن آخر، ولهذا كان من الصعب ضبطها وجعلها قواعد يرجع إليها في هذه الآداب، لأنه تحجير على الناس وتضييق عليهم في أمور حياتهم، فأناط علماء الحديث مرجع المروءة إلى العرف لتعلقها بالأخلاق، ولما كانت الأمور العرفية قلّما تنضبط لاختلاف الأشخاص والبلدان
(1) القواعد النورانية (134) طبعة مكتبة الرياض الحديثة تحقيق محمد حامد الفقي.
(2) المحصول في علم الأصول (1/ 413) طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض تحقيق طه جابر فياض العلواني ط 1 1400 هـ
(3) تعليم أصول الفقه (267) د. نور الدين مختار الخادمي طبعة العبيكان الطبعة الثانية (1426 - 2005 م) .
(4) ضوابط الجرح والتعديل (131) تأليف د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ط- العبيكان الطبعة الثانية (1438 - 2007 م)