الصفحة 7 من 25

وأدرجوه في كثير من أبواب الفقه، ولذلك قال ابن نجيم: (واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا) [1] ولا تزال كتب القواعد تشهد لهذا الأصل بعبارات وافية وصيغ مختلفة كقول الأئمة (المعروف عرفا كالمشروط شرطا) و (والعادة محكمة) و (الثابت بالعرف كالثابت بالنص) وغير ذلك من الصيغ التي تنصبُّ في مسلك العرف واعتباراته.

ولا يمكن أن يلغى هذا الأصل في فهم النصوص واعتبار مدولاتها، إذا العرف مرتبط بالشرع سلبا وإيجابا، ولهذا كان العرف الفاسد مرفوضا لمخالفته النص أو ما رام النص إليه، كاعتبار العرف الصحيح مقبولا لعدم المخالفة، فقيام مصالح الناس وقضاء حوائجهم وتحقيق معاملاتهم وعقودهم يدور بين الشرع وما أناطَ الشرعُ به الحكمَ كالعرف في كثير من مسائل الدين.

وبهذا المعنى يُعلم مدى سماحة الشريعة وتحقيقها للمقاصد الشرعية في الحفاظ على المسلم وسلامةِ معاملاته مما يشينها أو يعيبها، فإذا فهم المكلف هذا الأمر واستقر في قلبه تَجلت له كمال حكمة الله تعالى ومنتهى علمه، الذي أحاط بالعبادات والمعاملات فكانت على نسق دقيق لا خلل فيها ولا نقص من أي وجه كان، فسبحان الله العليم الحكيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها.

فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع.

وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى.

وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث

(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم (93) ط- دار الكتب العلمية (1400 - 1980)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت