ولقد عرّف سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم السنة وبيّنوا حدّها فقال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:"يطلق لفظ السُنّة على: ما جاء منقولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، مما لم يُنص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام، كان بيانًا لما في الكتاب أوْ لا."
ويطلق أيضًا في: مقابلة البدعة، فيقال:"فلانٌ على سُنة"، إذا عمل على وِفقِ ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك مما نُصَّ عليه في الكتاب أوْ لا، ويقال:"فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك، وكأنّ هذا الإطلاق إنما اعْتُبِرَ فيه عمل صاحب الشريعة، فأُطلق عليه لفظ السُنة من تلك الجهة، وإنْ كان العمل بمقتضى الكتاب."
ويطلق أيضا لفظ السُنّة على: ما عمل عليه الصحابة، وُجِدَ ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونهِ اتباعًا لسُنّةٍ ثبتتْ عندهم لم تُنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو مِنْ خلفائهم؛ فإنّ إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجعٌ أيضًا إلى حقيقة الإجماع، مِنْ جهةِ حَمْلِ الناس عليه، حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق: المصالح المرسلة، والاستحسان، كما فعلوا في حَدِّ الخمر، وتضمين الصُنَّاع، وجمع المصحف، وحمل الناس على القراءة بحرفٍ واحدٍ من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك.
ويدل على هذا الإطلاق: قوله عليه الصلاة والسلام:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين".
وإذا جُمِعَ ما تقدم تَحَصّلَ منه في الإطلاق أربعة أوجه:
[1] قوله عليه الصلاة والسلام.
[2] وفعله.
[3] وإقراره.
وكل ذلك إما مُتَلَقَّى بالوحي أو بالاجتهاد بناءً على صحةِ الاجتهاد في حقه، وهذه ثلاثة.