2 -تحريم ابتداء القتال فيه عند بعض العلماء:
قال ابن كثير: قد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام، هل هو منسوخ أو محكم على قولين:
الأول وهو الأشهر: أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال هاهنا: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ، وأمر بقتال المشركين فقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ، وظاهر السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرًا عامًا، ولو كان محرمًا في الشهر الحرام لأوشك أن يقيد القتال بمضي الأشهر الحرم، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين.
والقول الثاني: إن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [سورة المائدة: 2] . وقوله أيضًا: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة: 194] ، وقال أيضًا: {انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [سورة التوبة: 5] .
ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم.
والحكمة من تحريم القتال في الأشهر الحرم، فقد أوردها ابن كثير في تفسيره، فقال:"وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد، وواحد فرد، لأجل مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر وهو ذو القعدة، لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنًا".
ويفهم من ذلك كله ومن كلام أهل العلم أن الجهاد جهاد دفع وجهاد طلب، وجهاد الدفع (دفاع) جائز في الأشهر الحرم، أما جهاد الطلب (الهجوم) فقد اختلف العلماء في جواز ابتدائه في الأشهر الحرم كما بينا في بداية المسألة.
رجح طائفة من العلماء أن محرم أفضل الأشهر الحرم، قال ابن رجب: وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين، ويدل