عندما يتلفّتون علَّ أحدًا يُنجدهم أو يشفع لهم، فلا يرون معهم إلا الشياطين وأصحاب الحطمة وفرعون وهامان والكفرة الفجرة والطغاة الظلمة والمنافقون الخونة، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم، يصيحون في سرادقها ويستغيثون في نواحيها، وخزنة النّار بهم مقبلين ومدبرين، قد شُدّت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون ويصيحون: يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فتقول الزبانية: هيهات لاتَ حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان فيُنادون من دركات النّار أهل الجنّة يقولون: يا معشر الآباء والأمهات، يا أولادنا يا أبناءنا، خرجنا من قبورنا عطاشًا، ووقفنا في الحشر عطاشًا، ونحن اليوم في جهنم بلغنا من العطش منتهاه، أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، ارحمونا، أغيثونا، أكلتنا النيران، قطعتنا الأغلال، فلا يجيبهم أحد، عندها يبتهلون إلى ربهم الذي طالما عصوه، وفي نهارهم وليلهم أغضبوه، ينادونه: ربنا ظلمنا أنفسنا، ربنا أخرجنا منها، ربنا غلبت علينا شقوتنا، ربنا اكشف عنا العذاب، فبعد هذه الصيحات يتركون أعوامًا لا يجيبهم وهم ينتظرون، ولجوابه يتلهفون، ثم يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، فينزلون إلى آخر الدركات، فيرفعهم اللهيب إلى أعلاها، فتردّهم الملائكة إلى أعماق الجحيم، من فوقهم النّار، ومن تحتهم النّار، وعن أيمانهم النّار، وعن شمائلهم النّار، فهم غرقى في النّار، يعلو شهيقهم، ويزداد زفيرهم، وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، فيعظم يأسهم، ويرجعون إلى أنفسهم: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص.
النوع الرابع والعشرون:
الضيق في جهنم إحدى وسائل العذاب التي يصبها الله على الكفار والعصاة .. فالضيق يشمل ظواهرهم وبواطنهم، وكيف لا ونفوسهم أصابها من الهم والغم