والحسرة مالا يوصف مما هم فيه من العذاب والنكال، حر، وحميم، وسموم، ويحموم، وسلاسل وأصفاد، وظلمة وسواد، وقد اجتمعت عليهم ألوان العذاب وأشكاله فنفوسهم ضيقة ضنكة، وفوق ذلك كله تجدهم محشورين في أضيق الأماكن في جهنم تنكيلًا بهم وزياد لهم في الغم والهم قال تعالى {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُور} [1] فهم ملقون في أضيق الأماكن، وقد كانوا في الدنيا ينحتون من الجبال القصور فرحين بها، فما أحوجهم يوم القيامة إلى شبر من الأرض يعبدون الله فيه فينجون من ذلك الضيق وذلك العذاب. قال تعالى {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} .
النوع الخامس والعشرون:
هناك عذاب معنوي لأهل النّار عندما يسمعون خطبة إبليس في النّار، وهو يعلن أنه خدعهم وزين لهم المعصية، حتى وقعوا في نار جهنم، ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وغبنًا إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، وهو يقول: إن الله وعدكم وعد الحق على ألسنة رسله ووعدكم في إتباعهم النجاة والسلامة وكان وعدًا حقًا وخبرًا صادقًا وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم [2] ، وما كان لي عليكم من سلطان أي لم يكن لي قدرة وتسلط عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم أي لا ترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فالذّنب ذنبكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثي من عذاب الله، إني كفرت بما أشركتمون من قبل أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة، إن الظّالمين لهم عذاب أليم أي أن المشركين لهم عذاب مؤلم. هكذا يكشف إبليس عن عداوته لابن آدم ويعترف بخذلانه له ليزيده حسرة وندمًا، قال تعالى وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ
(1) الآية 13 من سورة الفرقان
(2) مختصر تفسير ابن كثير (جـ 1 ص 295)