وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهلَ الجنة يتراءَون أهلَ الغُرفِ من فوقهم كما يتراءَون الكوكبَ الدُّرِّي الغابرِ في الأُفقِ من المشرق أو المغرب، لتفاضُلِ ما بينهم )) ، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلُغُها غيرهم، قال: (( والذي نفسي بيدِه، رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين ) ) [1] .
وقد ذهب ابن حجر [2] رحمه الله إلى القول في معنى (يتراءون) أن أهل الجنة تتفاوَت منازلُهم بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلا ليراهم مَن هو أسفل منهم كالنجوم، وقوله: (( الدُّري ) )، وهو النجم الشديد الإضاءة [3] .
• أما أفضل تلك الدرجات، فهي الفردوس الأعلى، وهناك صفات أو شروط تمكن ساكنَها من إرثِها، بعد رحمة الله تعالى، كما في الآية الكريمة: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] .
في هذه الآية الكريمة بيَّنت أن سبب إرث أهل الجنة الفردوسَ الأعلى هو تقواهم لربهم، وما قدَّموا من الأعمال الصالحة في دنياهم [4] .
(1) الجامع الصحيح المختار، (مصدر سابق) ، كتاب: بَدْء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، (ج 3/ص 1188) ، رقم الحديث: 3256.
(2) الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر بن أحمد الكتاني العسقلاني الأصل، ثم المصري، الشافعي، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شُهِد له بالانفراد، خصوصًا في شرح البخاري، ومن تصانيفه: (فتح الباري شرح البخاري، ومقدمته تُسمَّى هَدْي الساري، وتقريب الغريب في غريب صحيح البخاري، والاحتفال في بيان أحوال الرجال،، ولد فِي ثَانِي عشر شعْبَان، سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة؛ (عبدالرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي،(ت: 911 هـ) ، نظم العقيان في أعيان الأعيان، تحقيق: فيليب حتى، (المكتبة العلمية - بيروت) ، (ج 1/ص 45، 46) .
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، (مصدر سابق) ، كتاب بَدْء الخلق (ج 1/ص 318) .
(4) مباحث العقيدة في سورة الزمر، مصدر سابق، (ج 1/ص 671) .