الصفحة 17 من 39

المطلب الرابع: درجات الجنة

يعمل الإنسان في الحياة الدنيا من أجلِ الحصول على منافعَ قليلةٍ، تساعده على الاستمرار في الحياة، ومهما كان الإنسان غنيًّا نتيجةَ هذه المنافع، فإنها مقارنةً بما يحصُلُ عليه المؤمنون في الجنة ودرجاتها لا تعد شيئًا؛ لأن الإنسان في الجنة يحصل على الدرجات العالية من خلال العبادات والطاعات، وهذه الدرجات حسب العمل الصالح، وتعتمد على قوة العمل الصالح، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 132] .

تدلُّ هذه الآية الكريمة على أن لكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازلَ ومراتبَ من عمله، يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر؛ لأن الإنسان يحصل على الدرجات العالية من خلال العبادات والطاعات، فكلما كثُرَت طاعاته زادت درجاتُه في الجنان.

قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 95، 96] ، فهذه الآية تشير إلى أن أصحاب الضرر من المؤمنين يُساوَون بالمجاهدين؛ لأن العذر أقعدهم عن القتال، كما تشير الآية إلى أن المجاهدين في سبيل الله لهم درجات في غرف الجنان العالية، ولهم مغفرة من الذنوب، وحلول الرحمة والرضوان عليهم تكريمًا لهم [1] .

وقد ذكر ابن القيم في هذه قصيدته الرائعة درجات الجنة، فقال:

درجاتُها مائةٌ وما بين اثنتَيْـ = ـنِ فذاك في التحقيقِ للحسبانِ

مِثلُ الذي بين السماءِ وبينَ هَـ = ذِي الأرضِ قولُ الصادقِ البرهانِ

لكنَّ عاليَها هو الفردوسُ مَسْـ = ـقوفٌ بعرشِ الخالقِ الرحمنِ

(1) الإمام أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، (ت: 774 هـ) ، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع) ، (ج 1/ص 774) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت