الصفحة 23 من 24

في ختام هذا البحث الموجز عن (ضمان الطبيب) في ضوء أحكام الفقه الإسلامي وقواعد القانون (النظام) ومستجدات الأبحاث وتطور التكنولوجيا، لمسنا اتجاهًا قويًّا يوسع من مدلول العمل الطبي، ليشمل - إلى جانب المفهوم التقليدي - دراسة أحوال الفيروسات المتنوعة، والبحث عن علاج لها، والكشف عن أسرار الجينات وقواعد الهندسة الوراثية، واستثمار منجزات التقنية في التعاون محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا لعلاج الإنسان والحفاظ على صحته.

وقد ربطنا كل ذلك بمسائل المسؤولية الطبية، فبدأنا بالمسؤولية المدنية في شقيها العقدي والتقصيري، حتى انتهينا إلى المسؤولية الجزائية للطبيب وللشخص المعنوي.

ففي مجال المسؤولية العقدية للطبيب، وجدنا أن الأصل هو التزام الطبيب ببذل العناية المطابقة للأسس العلمية في المجال الطبي، ويخرج عن هذا الأصل ما يكون - في العرف الطبي - ممكنًا ومقدورًا للطبيب، ولا تتخلف نتيجته - غالبًا - إلا إذا أخطأ الطبيب، وفي هذه الحالات تحوَّل التزام الطبيب من التزام ببذل عناية إلى التزام بتحقيق نتيجة.

وفي مجال المسؤولية التقصيرية، لا تنعقد مسؤولية الطبيب إلا إذا وجد منه إخلال بواجب قانوني ترتب عليه ضرر أصاب فردًا لا يرتبط معه باتفاق تعاقدي.

ويدخل في هذا المجال مسؤولية الطبيب عن الخطأ الصادر ممن يعملون تحت إشرافه وتوجيهه، فكأنه - بسبب هذه التبعية - هو الذي أوقع الفعل الضار.

وقد رأينا أن المسؤولية الجزائية للطبيب تقوم إذا أخلَّ بواجب أو التزام قانوني أو مهني، سواء كان هذه الإخلال عمديًّا، أو وقع بطريق الخطأ.

وتعتبر المخالفة عمدية إذا توافر لها الركن المادي والركن المعنوي، وحينئذ توقع على الطبيب الجزاءات المنصوص عليها.

وفي المخالفة غير العمدية استقرَّ الفقه والقانون والقضاء على مسؤولية الطبيب جزائيًّا عن خطئه المهني إذا ترتبت عليه نتائج جسمية.

وقد أدَّى التطور المذهل في مجال البحث والتكنولوجيا إلى إنشاء مراكز أبحاث تتمتع بالشخصية المعنوية، فاتجهت التشريعات الجنائية الحديثة - بدعم من القضاء - إلى إخضاع هذه الأشخاص المعنوية للمسؤولية الجزائية، أسوة بالشخص الطبيعي، إلا أن الجزاء المقرر لتوقيعه في حالات المخالفة يتناسب مع طبيعة الشخص المعنوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت