المبحث الثالث
التوظيف الأسلوبي والبلاغي للتشكيل الصوتي على أساس التكرار
"جاء مِن العلماء بعد ابن جنِّي من يستهجن تكرار الحروف ويعده مخلًّا بحسن الكلمة وفصاحتها؛ من هؤلاء على سبيل المثال ابن سنان الخفاجي ومَن تبعه كابن الأثير والطيبي والعيني، وهذا الذي ذكره العيني - ومِن قبله ابن سنان ومَن تبعه - يعاب عليهم فيه إطلاق القول بإعابة التكرير؛ وذلك لأمور:"
1 -أن تكرير الصوت لا يُعاب مُطلقًا ولا يُمدح مطلقًا، بل إنَّ استحسان ذلك واستقباحه لا يَجوز إلا بالنظر إليه داخل سياقه.
-أن هذا التكرار الذي أطلق القول بذمِّه وإعابته قد وقع في كتاب الله تعالى المشهود له ببلوغ الغاية في الفصاحة والبيان ..." [1] ."
* تكرار الواو والسين في كلمة (توسوس) ، (يوسوس) ، في قوله تعالى:
- {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]
- {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] .
"نلمح في هذين المثالين أن الفعل (وسوس) يتركب مِن تكرار المقطع (وس) ، وهذا التكرار الصوتي لهذا المقطع يحاكي عملية الوسوسة بما تشتمل عليه من إلحاح وإغراء بالشيء يقتضي تكرار الإيعاز بالشيء مرة بعد مرة ..." [2] .
* تكرار الكاف والباء في كلمة (كُبكبوا) ، في قوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء: 94] .
"في هذا المثال نجد أن الفعل (كبكب) قد اشتمل على تكرار المقطع (كب) بما يوحي بتكرر كب أهل النار فيها وتواليهم في دركات الجحيم، وهذا يأتي منسجمًا تمام الانسجام مع سياق الوعيد والتهديد لهؤلاء الغاوين الضالين ..." [3] .
(1) (ص: 94 و 95) ، بتصرف.
(2) (ص: 106) .
(3) (ص: 107) .