الصفحة 3 من 33

عناصر الحنين إلى الوطن

دراسة مقارنة بين المعري وشوقي

للوطن مكانة عزيزة من نفس الإنسان؛ عربيًّا كان أو غير عربي، بدائيًّا كان أو متحضرًا، مثقفًا كان أو جاهلًا، فالوطن (المنزل) يمثِّل اللحظة الأولى التي صافحَت فيها نسماتُ الهواء وأشعَّةُ الضوء وجهَ المرء لحظة الميلاد، وهو الذي يشهد في غالب الأحيان لحظة الممات، وما بين الميلاد والممات تكون تجربة الحياة التي لا يمكن أن يُنسى معها الوطن الجامع للَّحظتين المتناقضتَين، بكل ما يَحمل تناقضُهما من دلالات.

ولعل الإنسان العربي قد كان أكثرَ الأناسيِّ تأثرًا بالمكان؛ وذلك لارتباط حياته بالتَّرحال من مكان إلى آخر؛ سعيًا خلف مظاهر الحياة؛ من الماء والرزق والتجارة وغيرها، وقد كان مِن أبرز ما خلَّفه العرب - دلالةً على الحنين إلى الأوطان - الشعرُ العربي الذي كان ديوانَ حياتهم وسجلَّ مآثرهم، والمدوَّنةَ التي ضمَّت الصغير والكبير من تفاصيل حياتهم، وكان من بين هذا الشعر المدوَّنةُ الشعرية المعروفة بالأطلال التي أوْلاها الشعراءُ العرب مكانَ الصدارة من قصائدهم؛ فقد كانت مدونةُ الطَّلل العربي في الشعر الأثرَ الخالد الذي خلَّد صورة الحنين إلى الوطن! صحيحٌ أنه الوطن الذي شهد الجذوة الأولى للحبِّ بين الرجل والمرأة، بيد أنه يُشير كذلك إلى أن المرأة قد كانت موطنَ الشاعر المحبِّ الذي لا يَستطيع أن يبتعد عنه، وإن ابتعد فإنه يحنُّ إليه؛ لأنه يمثل حياته، وتجربة العمر.

ومن ثمة صار الوطن عند الإنسان العربي، وظل وسيظل الموئل والملاذ الذي يحنُّ إليه كلما ابتعَد عنه، وتلك غريزة بشرية لا تقف على إنسانٍ دون غيره، أو زمن دون آخر؛ فالإنسان قد عرَف السفر والترحال وعاينَهما، ولن يتوقف أمره معهما ما دامت الحياة قائمة؛ كان هذا السفر طوعًا أو كرهًا، رغبة أو رهبة، فهو يترك في القلب جُرحًا ما ترقأ دماؤه إلا حين يعود إليه، ويعانق ترابه، ويستنشق هواءه، وينعم بخيراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت