أمير الشعراء العرب في العصر الحديث، وهو اللقب الذي امتدَحه به صِنوُه الشعري، شاعر النيل حافظ إبراهيم، وكانت تسمِّيه به جريدة الأهرام المصرية [1] ، وقد عرَف شوقي الغربة عن الوطن الأم (مصر) مرتين:
أولاهما كانت رحلته التعليمية إلى فرنسا بأمرٍ ورعايةٍ من الخديوي توفيق الذي أصرَّ على أن يقضيَ شوقي هناك أربع سنوات لا يَشغَله فيها عن طلب العلم شاغل، حتى وإن تاقت نفسه وحنَّتْ إلى رؤية الأهل، وربما لا نظفَر من هذه الغربة التعليمية بشعر يكشف عن الحنين والشوق للأهل والوطن؛ وربما رجع ذلك إلى سيطرة الوصاية الخديوية عليه وعلى نفيِ أي شيءٍ يمكن أن يصرفه، أو يلهيه عن طلب العلم، وقد بدا ذلك عندما رغب شوقي في العودة إلى الوطن لرؤية أهله بعد انقضاء السنة الأولى له في مونبلييه [2] .وربما رجع اختفاء شعر الحنين في هذه الفترة التعليمية إلى كون شوقي لمَّا يزَل في شبيبته وعنفوان شبابه، لم تتعهده ولم تعركه الأحداث.
وثانيتهما فترة المنفى التي قاربَتِ السنواتِ الخمس؛ حيث نفَتْه سلطاتُ الاحتلال الإنجليزي إلى إسبانيا بعدَما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارَها، ورفضَت تلك السلطاتُ الآثمة عودةَ الخديوي عباس إلى مصر، ولم تقنَع بذلك بل راحت تَطرد وتُبعد كل مَنْ كان يمتُّ إلى الخديوي عباس بصلة؛ صداقة أو مودة، على أننا في هذه المرحلة من حياته نعثر على الكثير والكثير من الأشعار الناضحة بقوة جارفة للحنين إلى الوطن، وعاطفة كانت من الصدق بحيث أمكنها الصمود أمام طعنات الطاعنين، وافتراءات الحاسدين، وتشكيكات المتشككين في صدق عاطفته نحو مصر، ولعلنا نلمح مثل هذا الصدق العاطفي في حب مصر والحنين إليها في قوله [خفيف] [3] :
وَسَلاَ مِصْرَ هَلْ سَلاَ الْقَلْبُ عَنْهَا = أَوْ أَسَا جُرْحَهُ الزَّمَانُ الْمُؤَسِّي
كُلَّمَا مَرَّتِ اللَّيَالِي عَلَيْهِ = رَقَّ وَالْعَهْدُ فِي اللَّيَالِي تُقَسِّي
(1) زكي مبارك: أحمد شوقي - المقدمة ص 6 بقلم كريمة زكي مبارك - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977 م.
(2) د/ شوقي ضيف: شوقي شاعر العصر الحديث ص 14 - ط 8/ 1982 م - دار المعارف.
(3) أحمد شوقي: الشوقيات 2/ 46 - المكتبة التجارية الكبرى - مصر - 1970 م.