الصفحة 26 من 33

تشير هذه الثنائية إلى استحضار الشاعرِ صورةَ مكان الغربة وصورة الوطن الأم، عاقدًا المقارنة أو الموازنة بينهما، ولا يعدم القارئ في ثنايا تلك الموازنة تصويرًا جماليًّا أو دلاليًّا يَستنبط منه تفضيلَ هذا المكان على ذاك، أو ذاك على هذا، بيد أن كِلا الأمرين لا يَخلُوان من دلالةٍ على الحنين والاشتياق للمكان: الموطن أو المغترَب؛ لما لكلٍّ من أثرٍ بَيِّنٍ في حياة الشاعر.

ذكَرنا من قبل أنَّ كلا الشاعرين حنَّ إلى وطنه الأم، وكليهما أيضًا ترَك المغترَبُ من نفسه موقعًا قد يُناقض حبَّ الوطن الأم؛ فهذا أبو العلاء يتحدث عمَّا تتمناه النُّوق سميرةُ حِلِّه وتَرحاله، فيقول [1] :

تَمَنَّتْ قُوَيْقًا وَالصَّرَاةُ حِيَالَهَا = تُرَابٌ لَهَا مِنْ أَيْنُقٍ وَجِمَالِ

لقد ارتبط المعريُّ بالناقة ارتباطًا روحيًّا وحيويًّا، وقد عبَّر عن حبه إياها في القصيدة غير مرة، فلولا حفاظُه عليه لأمَر صاحبه أن يُقِيدَها؛ حتى لا تميل نحو الشام مثيرة حنينه وشوقه إليها، واستفهم نافيًا مستنكرًا أن يبغيَ لها الشر وهو الذي لم يرَ مثلها سفيرًا يسفر مترددًا في الليل وقد حمله، ولم ير مثلها وسيلة حمل - سفائن - تسير به في الهاجرة حيث السراب - الآل - مرتفع في قيظ الظهير على رمال الصحراء المنبسطة، ومع ذلك فإنه في البيت السابق نراه يدعو عليها مثل هذا الدعاء الدالِّ على الذلة، أو الدعاء عليها بالمرض أو القتل، فتقع على وجهها في التراب ولا تفارقه - ترابٌ لها - أو هو الدعاء عليها بخيبة الأمل مما تأمُله، وما ذلك الدعاء عليها إلا لأنها في نظره"غير منصفة، ترغب عن الصراة - مكان التقاء نهرَيْ جلة والفرات بالعراق - وهي حاضرة وماؤها ماؤها، إلى قُوَيقٍ - نهر على باب حلب - وهو عنها غائب، فلا شربَتْ بعد هذا ماءً، بل كان لها بدل الماء التراب" [2] .

(1) شروح سقط الزند 3/ 1165.

(2) السابق 3/ 1166، وهو من شرح الخوارزمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت