الوطن الحبيب، وثمة أشعار أُخر تنضح بحب الوطن والحنين إليه، سوف نعرض لها في حينها، بيد أن ما ينبغي أن أشير إليه هنا هو اتفاق الشاعرين - المعري وشوقي - في عناصر الحنين إلى الوطن اتفاقًا يُسوِّغ المقارنة بينهما، رغم الفارق الزمني الذي أشرنا إليه من قبل، وهي عناصرُ جديرةٌ بأن يُتئر المرء لها بناظريه؛ لما تشير إليه من قدرتهما الفنية على صياغة التجربة الشعرية، بما يكشف عن جدارتهما بما وصلا إليه من مكانة شعرية في تاريخ الشعرية العربية.
ذهب الشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت Eliot Thomas Stearns [1888 م - 1965 م] إلى أنه لا يمكن للشاعر أن يعبر تعبيرًا دقيقًا عن عاطفة من العواطف فنيًّا، دون التوسل بالبديل الموضوعي الذي عرَّفه بأنه"سلسلة من الأهداف وموقف معين، وسلسلة من الأحداث التي تتكون منها جميعًا معادلة تلك العاطفة المعينة، بحيث يتم تحريك هذه العاطفة حالما يقدم الشاعر الحقائق الخارجية التي ينبغي أن تنتهي بتجربة حسية" [1] ، يمكنها أن تكشف عن عاطفة الشاعر التي ربما عمد إلى إخفائها لسبب من الأسباب، بيد أنه لا يستطيع كتمانها، ومن ثمة يلجأ إلى هذا المعادل الموضوعي، وربما - كذلك - أظهرَها وعبر عنها تعبيرًا مباشرًا، بيد أنه يلجأ إلى المعادل الموضوعي؛ ليَزيد مِن قوة عاطفته وتأكيدها لدى المتلقِّي.
(1) م 0 ل 0 روزنتال: شعراء المدرسة الحديثة - دراسة نقدية - ترجمة جميل الحسني ص 123 - 124 - المكتبة الأهلية ومؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر - بيروت 1963 م.