الصفحة 9 من 33

ولعل صدق عاطفته هنا قد برَز في هذه الصورة الفنية التي رسمها لقلبه وهو ينتظر سؤالًا إجابته معروفة سلفًا، وهي النفي القاطع للسُّلُوِّ عن مصر، وعن قدرة الزمان المعالج على مداواة جرحه الذي خلَّفه البعاد عن الوطن سنين ولياليَ كلما مرَّت عليه تَزيده ضعفًا، وتملؤه وهنًا، وتزيده رقة، وهي المعروف عنها القسوة التي تغرسها في النفوس؛ إلا نفسه الكليمة، وقلبه المجروح.

وإذا كان المعري قد حن إلى المعرة، وهم بالرجوع إليها مرتحلًا عن بغداد؛ بسبب مرض أمه وقلة ماله، ولما ماتت أمه ولم يلقها رثاها - فإن شوقي قد عرَضَتْ له العلة الأولى التي دفعت المعري للارتحال عن بغداد؛ فقد مرضَت أمه، ثم لم يلبَث البريد أن جاءه وهو بالأندلس بوفاتها، فقال يَرثيها بميميَّته التي جاء فيها [طويل] [1] :

نَزَلْتُ رُبَى الدُّنْيَا، وَجَنَّاتِ عَدْنِهَا = فَمَا وَجَدَتْ نَفْسِي لأَنْهَارِهَا طَعْمَا

أُرِيحُ أَرِيجَ الْمِسْكِ فِي عَرَصَاتِهَا = وإنْ لَمْ أُرِحْ مَرْوانَ فِيهَا وَلا لَخْمَا

إِذَا ضَحِكَتْ زَهْوًا إِلَيَّ سَمَاؤُهَا = بكيتُ النَّدى في الأرض والبأسَ والحزما

أُطِيفُ بِرَسْمٍ، أو أُلِمُّ بِدِمْنَةٍ = أَخَالُ القُصُورَ الزُّهْرَ والغُرَفَ الشُّمَّا

فَمَا بَرِحَتْ مِنْ خَاطِرِي مِصْرُ سَاعَةً = وَلا أَنتِ فِي ذِي الدَّارِ زايَلْتِ لِي هَمَّا

حيث نلحظ سيطرة مصر على فكره وخاطره، تلك السيطرة الدالة على حبه وحنينه إليه، وعدم شعوره بالمتعة في الأندلس رغم جمالها الطبيعي، وعذوبة مائها، وهذا البيت الأخير رأينا دلالته في سينية شوقي الذائعة [خفيف] [2] :

شَهِدَ اللهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ جُفُونِي = شَخْصُهُ سَاعَةً وَلَمْ يَخْلُ حِسِّي

وعلى هذا النحو نجد أمير الشعراء يحن ويشتاق إلى مصر في سينيته هذه وميميته التي رثى بها أمه، ونونيته التي عارض فيها ابن زيدون، وبائيته التي عبَّر فيها عن فرحته بالعودة إلى أرض

(1) السابق 3/ 148.

(2) السابق 2/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت