وقد تخيرنا في هذه الدراسة شاعرين من شعراء العربية ذاع شعرهما، وتعدَّدَت مؤلفاتهما، فلم تقف عند الشِّعر وحده، وإنما تعدَّتْه للمؤلفات النثريَّة:
الشاعر الأول هو أبو العلاء المعرِّي رهين المحبسَين [ت 449 هـ/ 1057 م] .
والشاعر الثاني هو أمير الشعراء في العصر الحديث أحمد شوقي [ت 1351 ه/ 1932 م] .
وتواريخ الوفاة لهما تُشير إلى أنَّ بينَهما ما يَقرب من ألف سنة، تطوَّرَت فيها الحياة العربية تطورًا ليس من السهل وصفُه، بيدَ أن المشاعر والأحاسيس الإنسانية لم تتطور ولم تتغير، وربما الذي تطور وتغيَّر هو طريقة التعبير عنها، وذاك أمر يتفق وطبيعة التطور الحضاري والثقافي في الزمنين اللَّذين عاش فيهما الشاعران.
وقد تخيرنا ما لهذين الشاعرين من شعر يصور عاطفة الحنين إلى الوطن، وقد حاولنا قراءته قراءة موضوعية وفنية في آنٍ معًا، باحثين عن عناصر هذه العاطفة فيه، في محاولة منا للكشف عن مَواطن التلاقي والتفارق بين الشاعرين في هذه التجربة الذاتية الخالصة التي عايشَها كلاهما، وما ارتبط بها عندهما من المشاعر والأحاسيس وكيفية تصويرها.
ارتحل أبو العلاء عن بلدته أو موطنه الذي يُنسب إليه، وهي معرَّة النعمان"وهي مدينة كبيرة قديمة مشهورة من أعمال حِمص، بين حلَب وحماة، ماؤهم من الآبار، وعندهم الزيتون الكثير والتين" [1] ، إلى بغداد طلبًا للعلم في سنة ثلاثمائة وثمانية وتسعين للهجرة، وأقام بها سنةً وسبعة أشهر [2] عاد بعدها إلى موطنه، ورغم أنه ارتحل طلبًا للعلم فإنه قد لقي من المصاعب والمشاق النفسية ما جعل هذه الرحلة تبوء بالفشل، فقد لقي علي بن عيسى الربعي النحوي صاحب كتاب العروض [ت 420 ه] ليقرأ عليه، ولكن هذا الأخير أساء لقاءه عندما نعته بالإصطبل وهي شامية معرَّبة، وتَعني الأعمى، ولم يحتمل المعري هذه الإساءة التي يبدو أنها كانت من صفات الربعي القارَّة في نفسه كما ذهب إلى ذلك كثيرٌ من مشاهير العلماء المعاصرين له؛ فقد نقل ياقوت الحموي ما ذكره أبو محمد بن الخشاب [ت 567 ه] صاحب كتاب المرتجل في شرح
(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/ 156 - دار صادر - بيروت 1977 م.
(2) ياقوت الحموي: معجم الأدباء 3/ 108 - راجعته وزارة المعارف العمومية - مكتبة عيسى البابي الحلبي، ودار المأمون 1936 م.