الجمل للزجاجي، عن أبي منصور الجواليقي [ت 556 ه] صاحب المعرب من الكلام الأعجمي:"أن جنونه - الربعي - لم يكن يدعه يتمكنُ منه أحدٌ في الأخذ عنه، والإفادة منه" [1] ، وإن كنا نتردد في قَبول مثل هذا الخبر؛ بسبب البُعد الزمني بين الربعي والجواليقي، وهو البُعد الذي يشير إلى انتفاء المعاصرة بينهما، إلا أن ما ذكره ياقوت الحموي عن ابن برهان العكبري [ت 456 ه] من أن ابن عيسى الربعي كان مجنونًا بحيث يتركه ابن برهان ولا يأخذ عنه [2] يدعم ما نُقِل عن الجواليقي بشأن الربعي، وهو ما يؤكد لنا بالمثل انصراف أبي العلاء عن الأخذ منه والتعلم عليه.
وعندما دخل على المرتضى العلوي، عثر برجل فقال العلوي له: من هذا الكلب؟ فقال له المعري: الكلب مَن لا يعرف للكلب سبعين اسمًا، وقصة تفضيله للمتنبي في مجلس المرتضى العلوي الذي لا يحبُّ المتنبي كانت من الشهرة بحيث إنَّ المرتضى لما وصل الحوارُ مع المعري إلى لحظة المغاضَبة أمر رجاله أن يسحبوا المعري من رجله، ويُلقوه خارج مجلسه [3] .
ورغم هذه المشاهد المخزية للرجال فإن المعري - كما يقول أبو الفدا:"استفاد مِن علمائها، ولم يُتَلْمِذْ أبو العلاء لأحدٍ أصلًا، ثم عاد إلى المعرة ولزم بيته" [4] ، ويبدو أنه قد أحبَّ بغداد، ولعله تمنى في قرارة نفسه ألا يُغادرها رغم ما تعرض له فيها من إهانات أشعرته بغربة نفسية موجعة، وأما ما دفعه إلى مغادرة بغداد فهو ما عبَّر عنه في قصيدته التي يخاطب فيها القاضي التنوخي [بسيط] [5] :
أَسَارَنِي عَنْكُمُ أَمْرَانِ: وَالِدَةٌ = لَمْ أَلْقَهَا وَثَرَاءٌ عَادَ مَسْفُوتَا
أَحْيَاهُمَا اللهُ عَصْرَ الْبَيْنِ ثُمَّ قَضَى = قَبْلَ الإِيَابِ إِلَى الذُّخْرَيْنِ أَنْ مُوتَا
لَوْلاَ رَجَاءُ لِقَائِيهَا لَمَا تَبِعَتْ = عَنْسِي دَليلًا كَسِرِّ الْغِمْدِ إِصْلِيتَا
وَلاَ صَحِبْتُ ذِئَابَ الإِنْسِ طَاوِيَةً = تُرَاقِبُ الْجَدْيَ فِي الْخَضْرَاءِ مَسْبُوتَا
(1) معجم الأدباء 14/ 85.
(2) معجم الأدباء السابق الموضع نفسه.
(3) السابق 3/ 124.
(4) أبو الفدا: عماد الدين إسماعيل: المختصر في تاريخ البشر 2/ 176 - ط 1/ 1325 هـ - المطبعة الحسينية المصرية.
(5) شروح سقط الزند للمعري - تحقيق مصطفى السقا ورفاقه - بإشراف د/ طه حسين 4/ 1594 - 1596 - مركز تحقيق التراث - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 م.