أحدهما السكن والطمأنينة، فيكون الميهال من الآهل، وتكون الحمامة آهلة في هذا المكان الغريب؛ لأن معها من جنسها حمائمُ أخرى يُشعِرنها بالأهل والسكن، أو أنها آهلة بمالكيها.
وثانيهما أن يكون ميهال من الوَهَل وهو الفزع، وترجح هذه الدلالة الثانية؛ لأنه جعل غناءَها في البيت الثالث إعوالًا وهمًّا ثقيلًا على نفسه، فغناؤها عنده ليس طربًا وإنما هو إعوالٌ يُشجي ويكرب [1] ، ومن ثمة تكون المشاركة الوجدانية التي يراها في غناء الحمامة الباعث على شجنه وكربه، خاصة وأنها غريبة عن ديارها مثله.
وإذا كنا قد ارتأينا من قبلُ حضورَ النُّوق والسفن والحمام - طائر الأيك - من تكنيك المعادل الموضوعي الذي أظهر الشاعران من خلاله مشاعرَ الحنين للوطن - كان ذلك في النوق المشهورة بالحنين إلى أوطانها، والحمامة المشهورة بفَقْد الإلف، أو السفينة التي أضفى شوقي على خطابها مشاعر الشوق والحنين إلى الوطن - فإنهما قد استعانا كذلك بأسماء أعلام في سياقات الدلالة على الشوق والحنين إلى الوطن؛ فهذا أبو العلاء يَستدعي شخصية الشاعر الأموي"ذو الرمة ت 117 ه"مستعيدًا من قصصه ما يتَساوق والموقفَ الذي يعيشه، أو الحالة التي يعبر عنها، وذلك قوله لأهل وطنه [2] :
أَإِخْوَانَنَا بَيْنَ الْفُرَاتِ وَجِلَّقٍ = يَدَ اللهِ لاَ خَبَّرْتُكُمْ بِمُحَالِ
أُنَبِّئُكُمْ أَنِّي عَلَى الْعَهْدِ سَالِمٌ = وَوَجْهِيَ لَمَّا يُبْتَذَلْ بِسُؤَالِ
وَأَنِّي تَيَمَّمْتُ الْعِرَاقَ لِغَيْرِ مَا = تَيَمَّمَهُ غَيْلاَنُ عِنْدَ بِلاَلِ
لقد تم الاستدعاء هنا بالعلم؛ حيث ضم عجُزُ البيت الأخير اسم عَلَمَيْن جاءا غُفلًا عن الكنية، أو تتمة الاسم، بيد أنهما من الشهرة بمكانٍ؛ لارتباط أحدهما بالآخر، مما يُغني عن سرد الاسم كاملًا؛ ذلك أن غيلان هو الشاعر المشهور ذو الرُّمة، وبلال هو ابن أبي بُردة، قاضي الكوفة
(1) السابق 3/ 1241.
(2) السابق 4/ 1204 - 1207.