الزمان تلك"القصة الخرافية التي تحكي أن فرخ حمام يُدعى هديلًا قد فُقِد على عهد طوفان نوحٍ عليه السلام، فكل الحمام يبكي عليه" [1] !
ولعل استدعاء أبي العلاء للحمامة هنا إنما جاء في سياق المشاركة الوجدانية، أو كأنها المعادل الموضوعي الذي يستدعيه؛ ليعبر من خلاله عن مشاعر الفقد التي سيطرت عليه تجاه بغداد، وقد أزمع لا محالة على العودة إلى معرة النعمان، وربما كان صوت الحمام المرتبط بالأسطورة المشار إليها دالاًّ على مشاعر الفقد هذه؛ فإنه صوت آسر يجذب إليه الأسماع كأنما هو سجع الكهان، و"العرب تجعل صوت الحمام مرة سجعًا، ومرة غناءً، وأخرى نَوْحًا، وتضرب به المثَل في الإطراب والشجى، وبجميعه جاء الشعر" [2] ، بل لعل الحمامة العاشقة النادبة فَقْدَ إلفِها - وقد جذبت إليها أحزان النفس الإنسانية - أن يكون سجعها أفصح وأبلغ من سجع سطيح الكاهن المشهور بأسجاعه.
ونجده في تَحنانه إلى المعرة وهو بالعراق في دار سابور، أو ما تُعرَف بـ"دار العلم ببغداد"التي بناها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير لأهل العلم - أقول: نجد المعريَّ يستدعي الحمامة الورقاء الغريبة عن الموطن؛ لتطربهم بغنائها، فيقول [طويل] [3] :
وَغَنَّتْ لَنَا فِي دَارِ سَابُورَ قَيْنَةٌ = مِنَ الْوُرْقِ مِطْرَابُ الأَصَائِلِ مِيهَالُ
رَأَتْ زَهَرًا غَضًّا فَهَاجَتْ بِمِزْهَرٍ = مَثَانِيهِ أَحْشَاءٌ لَطُفْنَ وَأَوْصَالُ
فَقُلْتُ تَغَنَّيْ كَيْفَ شِئْتِ فَإِنَّمَا = غِنَاؤُكِ عِنْدِي يَا حَمَامَةُ إِعْوَالُ
ويبدو اضطراب المعري وعدم شعوره بقيمة الغناء المُطرِب في استدعائه هذه الحمامة ووصفها بالميهال، وهو وصف يجمع بين نقيضين:
(1) د/ علي البطل: الصورة الفنية في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري ص 61 - ط 2/ 1981 م - دار حراء للنشر والتوزيع
(2) الثعالبي: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 467 - دار المعارف 1985 م
(3) شروح سقط الزند 3/ 1239 - 1241.