الصفحة 15 من 33

تَجُرُّ مِنْ فَنَنٍ سَاقًا إِلَى فَنَنٍ = وَتَسْحَبُ الذَّيْلَ تَرْتَادُ الْمُؤَاسِينَا

أُسَاةُ جِسْمِكَ شَتَّى حِينَ تَطْلُبُهُمْ = فَمَنْ لِرُوحِكَ بِالنُّطْسِ الْمُدَاوِينَا؟

فالطائر الذي يحن إلى إلفه المفقود لم يزل يذرف دمعه حنينًا وشوقًا وحزنًا، وقد نحل جسمه من كل ذلك، واحتاج الأطباء المداوين، وأنَّى لهم يداوون علته ولو كانوا من النطس الحاذقين؟!! وهي حالة الشاعر نفسه؛ إذ المصائب - كما يقول - يجمعن المصابين، فالطائر يحن إلى إلفه، والشاعر يحن إلى وطنه، وكلاهما في حاجة إلى مداواة العلة، والمداواة لن تكون إلا بالتقاء الإلف والعودة إلى الوطن؛ لأن الأطبة إذا عالجوا علة الجسد؛ فإنهم لن يستطيعوا علاج علة الروح.

واستدعاء الطائر ألفَيناه من قبلُ عند المعري في عينيته التي قالها في وداع بغداد التي أحبها، وفارقها رغمًا عنه، فهو يقول [طويل] [1] :

وَشَكْلَيْنِ مَا بَيْنَ الأَثَافِيِّ وَاحِدٌ = وَآخَرُ مُوفٍ مِنْ أَرَاكٍ عَلَى فَرْعِ

أَتَى وَهْوَ طَيَّارُ الْجَنَاحِ وَإِنْ مَشَى = أَشَاحَ بِمَا أَعْيَا سَطِيحًا مِنَ السَّجْعِ

يُجِيبُ سَمَاوِيَّاتِ لَوْنٍ كَأَنَّمَا = شَكَرْنَ بِشَوْقٍ أَوْ سَكِرْنَ مِنَ النَّبْعِ

تَرَى كُلَّ خَطْبَاءِ الْقَمِيصِ كَأَنَّهَا = خَطِيبٌ تَنَمَّى فِي الْغَضِيضِ مِنَ الْيَنْعِ

إِذَا وَطِئَتْ عُودًا بِرِجْلٍ حَسِبْتَهَا = ثَقِيلَةَ حِجْلٍ تَلْمِسُ الْعُودَ ذَا الشِّرْعِ

مَتَى ذَنَّ أَنْفُ الْبَرْدِ سِرْتُمْ فَلَيْتَهُ = عَقِيبَ التَّنَائِي كَانَ عُوقِبَ بِالْجَدْعِ

وَمَا أَوْرَقَتْ أَوْتَادُ دَارِكَ بِاللِّوَى = وَدَارَةَ حَتَّى أُسْقِيَتْ سَبَلَ الدَّمْعِ

والطائر الذي يستدعيه أبو العلاء هنا هو الخطباء أو الحمامة التي اتخذها الشعراء من قديم الزمان رمزًا للأحزان التي تسيطر عليهم وهي أحزان فقد الإلف؛ إذ ارتبطت في الأذهان منذ قديم

(1) شروح سقط الزند 3/ 1336 - 1341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت