الصفحة 31 من 33

وتشبيه الشمس المتبخترة في الأودية ببلقيس التي تتبختر في زيها اليماني الموشَّى بالجمال والزينة"هو استدعاء للعلاقة الوُثقى بينهما، وذلك في التعبير القرآني؛ فقد كانت بلقيسُ وقومها يسجدون للشمس - كما أخبر الهدهدُ نبيَّ الله سليمان عليه السلام - ولعل هذا الاستدعاء من بين ما كان يملكه شوقي من حِسٍّ تاريخيٍّ، وبُعدٍ ديني لا يستطيع المتلقي من خلاله أن يطرح فكرة التقديس والعبودية التي لقيَتها الشمس عند العرب القدامى، ومن ثمة فقد حظيت بلقيس بمثل تلك المكانة" [1] التي نجدها عند شوقي في شعره؛ سواء ذلك الذي قاله في منفاه، أو في غيره.

ينتمي الاغتراب في لسان العرب إلى الجذر الثلاثي (غرب) الذي يستدعي دلالات من مثل البُعد والغياب؛ فالشمس إذا غربَت تكون غابتْ في المغرِب، والغرْبُ: الذهاب والتنحِّي عن الناس، وقد غَرَب يغرُب غربًا، وغرَّب وأغرب وغرَّبه، وأغربَه: نحَّاه، وتغريب الزاني سنَة - كما في الحديث النبوي - هو نفيُه عن بلده، والغَرْبَةُ والغَرْبُ: النَّوى والبُعد، والتغريب: النفي عن البلد، والغُربة والغُرب: النزوح عن الوطن، والاغتراب والتغرُّب كذلك [2] .

إن ما سبق من الدلالات اللغوية للجذر اللغوي (غرب) ترتكز كلها حول دلالة البُعد والغياب، تم ذلك من الذات المُغتربة طوعًا أو كَرْهًا، وكانت الغربة مكانية أو نفسية أو اجتماعية، أو فلسفية، أو غير ذلك من مَحاورَ أو اتجاهات للغربة، وكلها تستدعي دلالة الحزن والغم والكرب والوجد، وقد قال الأصفهاني عن مادة كتابه أدب الغرباء:"وقد جمعتُ في هذا الكتاب ما وقع إليَّ وعرفتُه، وسمعتُ به وشاهدتُه من أخبار مَنْ قال شِعرًا في غُربته، ونطق عما به مِنْ كُرَبهِ، وأعلن الشكوى بوَجْده إلى كل مشرَّدٍ عن أوطانه، ونازح الدار عن إخوانه" [3] .

(1) د/ ياسر عبدالحسيب رضوان: بلقيس وجدليات التاريخ والدين والشعر - مجلة علامات في النقد - المجلد 20 - العدد 81 - نوفمبر 2014 - النادي الأدبي الثقافي - جدة - ص 199.

(2) ابن منظور: لسان العرب - دار الفكر ودار صادر - د. ت - 1/ 637 - 639 - مادة غرب.

(3) الأصفهاني: أدب الغرباء - تحقيق د/ صلاح الدين المنجد ص 21 - ط 1/ 1972 م - دار الكتاب الجديد - بيروت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت