الموروث الديني الماثل في استدعاء شخصية بلقيس، وما تستدعيه من دلالات الجمال والنعمة وفن العمارة، الذي يستدعيه الصَّرح المرتبط بها وبنبي الله سليمان عليه السلام فيما قصَّه القرآن الكريم من قوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل: 44] ، وهذا التناص يستدعي الجانب الجماليَّ للجزيرة، والجانب العمراني والتقدم الحضاري، وكلاهما يدل على اعتزاز الشاعر بمصر المكان وحبه لها، حتى يصور الجزيرة بهذه الصور الفنية التي يجمع فيها بين عبق التاريخ وقدسية الدين وجمالية الواقع/ المكان.
وجمالية المكان هذه لم يكن شوقي ليقصرها على جزيرة الروضة وحدها، وإنما يُضفيها على الأندلس عندما يستدعي لها بلقيس التي يبدو أنها تمثِّل في ناظريه جمالية الإنسان والمكان والزمان والطبيعة في الآن عينه، فهو يعيش في الأندلس فترة المنفى، ولكنه يتذكر عهد صباه بمصر - الزمان - وجمال المكان الذي كان يراه أينما يذهب في صباه، ومنظر الشمس وهي تُشرق في الوديان، فيقول [1] :
سقيًا لعهدٍ كأكناف الرُّبى رفةً = أَنَّى ذهبنا وأعطاف الصَّبا لينا
إذِ الزمانُ بنا غيناءُ زاهيةٌ = ترفُّ أوقاتُنا فيها رَيَاحينا
الوصلُ صافيةٌ والعيشُ ناغيةٌ = والسعدُ حاشيةٌ والدهرُ ماشينا
والشمس تختال في العِقْيان تَحسِبها = بِلقيسَ ترفُلُ في وشيِ اليمَانينا
إن هذه اللوحة الجمالية لعهد الصبا تكشف عن براعة الشاعر في توظيف الأوان في سياقات اللوحة، حيث الشمسُ المختالة في العقيان، والعهدُ الشبيه بأكناف الرُّبى، والزمان الشبيهُ بغَيناء غنيَت بجمالها عن الزينة المصطنَعة، كل ذلك يكشف عن محورية الشمس بدلالتها اللونية والجمالية في الصورة التي رسَمها الشاعر لهذا العهد الذي يتذكَّر به المكان أو الموطن الأمَّ مصر، على أن الشاعر لم يقنَع بمثل هذه اللوحة الجمالية، وإنما راح يَستدعي لها بلقيس، ويجعل منها مشبَّهًا به لهذه الشمس المصرية الجميلة.
(1) الشوقيات 2/ 107.