والغربة إلى الوطن؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يُكثر شوقي من الحديث عن أماكنَ متعددة في مصر، منها ذِكره (عين شمس) و (فنار الإسكندرية) و (شاطئ الرمل) ، وهذه الأماكن الثلاثة ارتبطت بتجربته الشعرية من حيث كانت عين شمس مكانًا قضى وأبوه فيه زمنًا عندما نصحه الأطباء بأن يأخذ أباه إلى مكان جاف يساعده على الشفاء، والفنار وشاطئ الرمل مثلًا الوجهة التي كان يرجوها للسفينة حتى تعود به إلى وطنه.
وهو يرسم للجزيرة - جزيرة الروضة - صورة جمالية يستدعي لها من الدين والتاريخ ما يُجسد جمالها، ويُخلِّد ذكرها، فهو يقول عنها [1] :
وَكَأَنِّي أَرَى الْجَزِيرَةَ أَيْكًا = نَغَمَتْ طَيْرُهُ بِأَرْخَمِ جَرْسِ
هِيَ بِلْقِيسُ فِي الْخَمَائِلِ صَرْحٌ = مِنْ عُبَابٍ وَصَاحِبٌ غَيْرُ نِكْسِ
حَسْبُهَا أَنْ تَكُونَ لِلنِّيلِ عِرْسًا = قَبْلَهَا لَمْ يُجَنَّ يَوْمًا بِعِرْسِ
لَبِسَتْ بِالأَصِيلِ حُلَّةَ وَشْيٍ = بَيْنَ صَنْعَاءَ فِي الثِّيَابِ وَقَسِّ
قَدَّهَا النِّيلُ فَاسْتَحَتْ فَتَوَارَتْ = مِنْهُ بِالْجِسْرِ بَيْنَ عُرْيٍ وَلُبْسِ
إننا لا نبالغ إن قلنا: إن الشاعر قدم لوحة فنية لم يتأنق في رسم خطوطها لونًا ماثلًا في خضرة الأيك والخمائل، وصفرة الأصيل وجمال الوشي، وصوتًا برز مع نغم الطير بأرخم جرس، وحركة مع الطير في الأيك والخمائل، ولبس الوشي والتواري، والعُري واللُبس الدال على الحياء - أقول: لم يتأنق في رسم خطوطها فحسب، وإنما أضفى عليها حركية قصصية قصيرة، أو مشهدًا قصصيًّا من حيث جعلها عروسًا جميلة جُنَّ بها النيل، حتى خالف الشائع الفرعوني حول عروس النيل، لقد زوج الجزيرة للنيل في زواج مقدس يُداعب فيه الزوجُ زوجةً حيية لا تملك إلا أن تتوارى بالجسر الممثل ستارًا تستتر فيه العروس الحيية.
كما أنه لم يَقنَع بمثل هذه الصورة التي يتناصُّ فيها الموروث الأسطوري الفرعوني الذي يَستدعي فيه أسطورةَ عروس النيل والاحتفال بها في مشهد عُرسٍ بهيج، وإنما راح الشاعر يتناص مع
(1) أحمد شوقي: الشوقيات 2/ 46 - 47.