الصفحة 28 من 33

حيث يتمنى أن يبدوَ جبل سنير بالشام لصحبته وهم بالعراق، فتقرَّ عيونهم بقرب الوطن الشام، كما يتمنى أن يركب على جناح سحابة - غمامة - تُسرع به إلى وطنه كإسراع النعامة - أم رئال - إذا أقبل الليل إلى أفراخها.

بل إنه ليعترف صراحة للبرق القادم من أرض المعرة أن الكرخ - العراق - ليست ديارَه، وإنما رماه الدهر نحوها، فيقول [1] :

فَيَا بَرْقُ لَيْسَ الْكَرْخُ دَارِي وَإِنَّمَا = رَمَانِي إِلَيْهِ الدَّهْرُ مُنْذُ لَيَالِي

فَهَلْ فِيكَ مِنْ مَاءِ الْمَعَرَّةِ قَطْرَةٌ = تُغِيثُ بِهَا ظَمْآنَ لَيْسَ بِسَالِ

إن البرق يستدعي المطر، وإذا كان البرق من ناحية الشام؛ فإن الأمنية المرتبطة به أن يكون به قطرة ماء من ماء المعرة تُغيثه وهو المشوق الظامئ إلى أرضه التي لا يسلوها؛ لأنها حاضرة في ذهنه، كما أنه يُقرُّ بندمه على بيع موطنه الأصلي - أرض العواصم بالشام - رخيصة، وتركها إلى العراق، فيقول [2] :

نَدِمْتُ عَلَى أَرْضِ الْعَوَاصِمِ بَعْدَمَا = غَدَوْتُ بِهَا فِي السَّوْمِ غَيْرَ مُغَالِ

ولا شك أن هذه المفارقة بين تفضيل المكانين في الآن نفسه يعكس القلق والاضطراب المسيطر عليه، ربما لكفِّ بصره، وربما للظروف التي مرَّ بها؛ فإن العراق برغم ما تعرَّض له من الإهانة وسوء المعاملة خاصة في قضية الخصومة مع المرتضى العلوي حول المتنبي، إلا أنه ارتضى ما حصَّله بها من العلم، ورضي بالمقام بها، لولا مرض أمه واستدعاؤها له، وقلة ماله على النحو الذي ذكرناه من قبل.

وقد رأينا مثل هذا التناقض عن شوقي الذي تحدث عن وطنه في سينيته التي عارض فيها البحتري؛ فقد بدَت قصيدة شوقي لوحة فنية كبيرة، حوَت في مَناحيها لوحات فنية أخرى تأنَّق في رسمها بعناية بالغة، وإن كانت موشَّاة بطابع حزين، يتواءم وتجربته الشعرية، وهي الحنين

(1) السابق 3/ 1195.

(2) شروح سقط الزند 3/ 1207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت