الصفحة 27 من 33

وبين حضور الصراة وغياب قويق - مع ما لأولهما من ترجيحٍ عند الشاعر - تجيء المفارقة بين المكانين مستدعيةً البعد المكاني من ناحية، والراحة المادية الماثلة في اشتمال المكان الحاضر على ما تحتاجه النوق من الطعام والشراب، وذلك قوله [1] :

فَآبَكَ هَذَا أَخْضَرُ الْجَالِ مُعْرِضًا = وَأَزْرَقُ فَاشْرَبْ وَارْعَ نَاعِمَ بَالِ

سَتَنْسَى مِيَاهًا بِالْفَلاَةِ نَمِيرَةً = كَنِسْيَانِهَا وِرْدًا بِعَيْنِ أُثَالِ

وَإِنْ ذَهِلَتْ عَمَّا أَجَنَّ صُدُورَهَا = فَقَدْ أَلْهَبَتْ وَجْدًا نُفُوسَ رِجَالِ

وَلَوْ وَضَعَتْ فِي دِجْلَةَ الْهَامَ لَمْ تُفِقْ = مِنَ الْجَرْعِ إِلاَّ وَالْقُلُوبُ خَوَالِ

ولعله يقدم في الأبيات الأربعة ما يُعلِّل به تفضيل العراق على الشام أمام الإبل التي يَظهر لها أنها في العراق بين روضة وغدير، فلتتمتَّع بهما راعية وشاربة، ولْتسْلُ عن مَراتع بلادها البعيدة، ولا تُخطرها ببالها، ولعلها إذا رعَت وشربت، فسوف تنسى تلك المياه النميرة في الشام كما نسيَت من قبلُ ماء عين أُثال التي استعذبَتها عندما أقاما معًا بالبدو، وسوف تغفل عن الحنين الذي ألهبَت به قلوب الرجال إذا ما وضعت رؤوسها في ماء دجلة لتجرع منه.

وبرغم هذه الصورة التي يُزين بها للإبل العراقَ والمكث فيه، وهو لا شك يُطَمْئن نفسه بطيب البقاء فيها؛ فإنه في القصيدة نفسِها يُبرز ما في أرض الوطن الأمِّ من الميزات التي تؤجِّج حنينه إليها الذي يبدو في قوله [2] :

فَلَيْتَ سَنِيرًا بَانَ مِنْهُ لِصُحْبَتِي = بِرَوْقَيْ غَزَالٍ مِثْلَ رَوْقِ غَزَالِ

وَمَنْ لِي بِأَنِّي فِي جَنَاحِ غَمَامَةٍ = تُشَبِّهُهَا فِي الجُنْحِ أُمُّ رِئَالِ

(1) السابق 3/ 1179 - 1182.

(2) شروح سقط الزند 3/ 1192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت