الصفحة 32 من 33

ولذلك وجدنا الشاعرَين كِلَيهما يعيشان مشاعر الحزن والقلق والاضطراب بسبب الغُربة والوحدة، فأبو العلاء المعري يُصور ما يُعانيه من آلام الغربة وأحزانها، فيقول [1] :

تَمَنَّيْتُ أَنَّ الْخَمْرَ حَلَّتْ لِنَشْوَةٍ = تُجَهِّلُنِي كَيْفَ اطْمَأَنَّتْ بِيَ الْحَالُ

فَأَذْهَلُ أَنِّي بِالْعِرَاقِ عَلَى شَفًا = رَذِيُّ الأَمَانِي لاَ أَنِيسٌ وَلاَ مَالُ

مُقِلٌّ مِنَ الأَهْلِينَ يُسْرٍ وَأُسْرَةٍ = كَفَى حَزَنًا بَيْنٌ مُشِتٌّ وَإِقْلاَلُ

طَوَيْتُ الصِّبَا طَيَّ السِّجِلِّ وَزَارَنِي = زَمَانٌ لَهُ بِالشَّيْبِ حُكْمٌ وَإِسْجَالُ

مَتَى سَأَلَتْ بَغْدَادُ عَنِّي وَأَهْلُهَا = فَإِنِّيَ عَنْ أَهْلِ الْعَوَاصِمِ سَآَّلُ

إِذَا جَنَّ لَيْلِي جُنَّ لُبِّي وَزَائِدٌ = خُفُوقُ فُؤَادِي كُلَّمَا خَفَقَ الآلُ

إذ تمنى أن تكون الخمر قد أُحلَّت ليشربها؛ حتى ينسى همومه وأحزانه وآماله الكليلة، كأنها الناقة الرذية أضعَفَها طولُ السفر، إلى جانب قلة المال وغيبة الأهل، وسطوة الهموم بالليل وخفقان القلب بالنهار؛ حنينًا وشوقًا إلى أرض العواصم الشام حيث معرة النعمان موطنه ومسكنه.

كذلك راح شوقي يُصور قلبه بمجموعة متوالية من الصور الحزينة، فهو جريحٌ لم يستطع الزمان أن يؤاسيه، وهو طائر مستطار، ورجل رقيق القلب ضعيف لا يتحمَّل مرَّ الليالي، ولا رؤية السفن تغدو وتروح من الميناء في قوله:

وَسَلاَ مِصْرَ هَلْ سَلاَ الْقَلْبُ عَنْهَا = أَوْ أَسَا جُرْحَهُ الزَّمَانُ الْمُؤَسِّي

كُلَّمَا مَرَّتِ اللَّيَالِي عَلَيْهِ = رَقَّ وَالْعَهْدُ فِي اللَّيَالِي تُقَسِّي

مُسْتَطَارٌ إِذَا الْبَوَاخِرُ رَنَّتْ = أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ عَوَتْ بَعْدَ جَرْسِ

رَاهِبٌ فِي الضُّلُوعِ لِلسُّفْنِ فَطْنٌ = كُلَّمَا ثُرْنَ شَاعَهُنَّ بِنَقْسِ

(1) شروح سقط الزند 3/ 1251 - 1254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت