أو مشاركته الوجدانية لطائر الأيك في سياقات الشجو والأسى التي تستدعيها الغربة والوحدة والوحشة في المكان - في قوله:
يَا نَائِحَ الطَّلْحِ أَشْبَاهٌ عَوَادِينَا = نَشْجَى لِوَادِيكَ أَمْ نَأْسَى لِوَادِينَا
وفي ضياء ما قدمنا من حديث عن عناصر الحنين إلى الوطن عند أبي العلاء المعري وأحمد شوقي - نستطيع التوصل إلى ما يلي:
أولًا: الحنين إلى الأوطان عاطفة إنسانية أصيلة في النفس البشرية، وليس من الممكن قصرُها على إنسانٍ دون غيره، بل كل مَن عانى الابتعاد عن الأهل والوطن شعَر بالحنين والشوق إليهما، وتجسَّد هذا الشعور في الاستجابات اللفظية وغير اللفظية؛ فكل إنسان يستطيع التعبير عن شعور الحنين إلى الأهل والوطن بما تيسَّر له من سُبُل التعبير عن ذلك الشعور، والشعراء وحدهم القادرون على إبراز هذه الاستجابة اللفظية الماثلة في الشعر الآسر للقلوب والمهيج للعواطف.
ثانيًا: لا يجب أن يتبادر إلى ذهن المتلقِّي أن ثمَّة تَداخلًا بين مدلول المعادل الموضوعي والتناص؛ لأن المعادل الموضوعيَّ نظرية ارتبطت بإسقاط المشاعر والعواطف الإنسانية على ظواهرَ طبيعية أو غيرها، أو كائنات حية أو غيرها ذات مدلولات مستدعاة في سياقات خاصة بالتجربة الشعرية أو بالموقف الشعري، ومن ثمة كان استدعاء المعري للنوق الحنانة والوُرْق البواكي، واستدعاء شوقي لـ"نائح الطلح"، أما استدعاء الشخصيات وما ارتبط بها من النصوص، وتداخل هذه النصوص مع النص موضع الدراسة، فذلك هو التناص الذي لا ينتهي استدعاؤه عند سياق الموقف وحده، وإنما هو يثير من التداعيات والدلالات ما يُثري النص، ويفتح أبواب دلالاته على مصاريعها، فضلًا عما يمنح النصوص القديمة والحديثة من الخلود والحضور المتجدد عبر أزمنة التداخل النصي.
ثالثًا: قصَرنا عناصر الحنين إلى الوطن عند الشاعرَين على تِلكم الأربعة التي عرَضنا لها؛ لأنها تمثل الظاهرة البارزة في هذا الحنين من حيث التوظيفُ الفني: المعادل الموضوعي والتناص؛ لما بينهما من التقارب التوظيفي الذي لا يُلغي الحدود الفارقة بينهما، ومن حيث التوظيفُ الدلالي: ثنائية المكان والاغتراب؛ وذلك لارتباط هذا الأخير بالمكان.