وأميرها، وهو من أحفاد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، وكان ذو الرمة قصده مادحًا لينالَ رِفده وعطاءه، وقد قال في ذلك [وافر] [1] :
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيْثًا = فَقُلْتُ لِصَيْدَحَ انْتَجِعِي بِلاَلاَ
تُنَاخِي عِنْدَ خَيْرِ فَتًى يَمَانٍ = إِذَا النَّكْبَاءُ نَاوَحَتِ الشِّمَالاَ
فقد قصده لعلة المال الذي يستدعي له تشبيه الممدوح بالغيث على عادة الشعراء العرب.
أما أبو العلاء فقد قصد العراق تاركًا المعرة لعلَّةٍ غير طلب المال، أو ابتذال الوجه بسؤالِ أرباب المال؛ مثلما فعل ذو الرمة - غيلان - مع بلال، فالمعرِّي وذو الرمة كلاهما ترَك موطنه وقصَد العراق، واختلفت العلة عند كلٍّ منهما، ومن ثمة كان هذا التناصُّ مع العَلَم الغُفْل من الكنية أو اللقَب؛ للشهرة، وفي الوقت عينه استدعاءً للحدث المصاحب للعَلَم؛"لأن أسماء الأعلام تَحمل تداعياتٍ معقَّدة تربطها بقصص تاريخية أو أسطورية، وتشير قليلًا أو كثيرًا إلى أبطالٍ وأماكنَ تنتَمي إلى ثقافات متباعدة في الزمان والمكان" [2] .
فقد ذكر ابن قُتيبة [ت 276 ه] أن الناس كانوا يَعدُّون ذا الرمة أحسن الناس تشبيهًا، وأن ما وضَع من منزلته عندهم عدم إجادته المدحَ والهجاء، واستشهد بالبيت الأول من البيتين السابقين، مع تعليق بلال بن أبي بُردة [3] الذي رواه الأصفهاني [ت 356 ه] بعد ذِكر البيت نفسِه، فقال:"فلما أنشده قال له: أوَ لم ينتجِعْني غيرُ صيدح؟! يا غلام، أعطه حبلَ قَتٍّ لصيدح، فأخجله" [4] ، وصيدح هي ناقة ذي الرُّمة، وحبل القتِّ يريد أن يعلفَها غلامُه بالقتِّ والنوى.
ومثل هذا التناصِّ مع الأعلام نجده في لامية المعرِّي الذي يَستدعي فيه - أسطوريًّا - شخصية عمرو بن يربوع؛ حيث يقول المعري [5] :
(1) ذو الرمة: شرح ديوانه لأبي حاتم الباهلي من رواية ثعلب - تحقيق وتقديم وتعليق د/ عبدالقدوس أبو صالح 3/ 1535 - 1536 - ط 1/ 1982 م - مؤسسة الإيمان.
(2) د/ محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري - استراتيجية التناص ص 65 - ط 3/ 1992 م - المركز الثقافي العربي.
(3) ابن قتيبة: الشعر والشعراء - تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر 1/ 534 - دار المعارف 1982 م.
(4) الأصفهاني: الأغاني - تحقيق: إحسان عباس وإبراهيم السعافين وبكر عباس 18/ 24 - ط 3/ 2008 م - دار صادر - بيروت.
(5) شروح سقط الزند 3/ 1167.