الصفحة 19 من 33

إِذَا لاَحَ إِيمَاضٌ سَتَرْتُ وُجُوهَهَا = كَأَنِّيَ عَمْرٌو وَالْمَطِيُّ سَعَالِي

إنَّ لَوَحان البرق - إيماض - مثير خارجي يُثير عاطفة الحنين إلى الوطن عند تلك الإبل وهو ما يَدفع المعري - الراغبَ في ألا تُثير حنينَه تلك الإبلُ - إلى الإسراع بستر وجوهها؛ حتى لا ترى ذلك المثير الخارجي/ البرق، هذا الحدث يستدعي فيه أبو العلاء المعريُّ للمشاركة الحالية اسم العَلَم الغُفلَ عن التعيين إلا بالسعالي في صورة تشبيهية مزدوجة؛ أولاهما صورة بشرية عندما يشبِّه المعري نفسه بالعَلَم عَمرٍو، والثانية حيوانية مختلطة عندما يشبه المطيِّ - الإبل الحنانة - بالسعالي المنتمية إلى عالم الجن، مستدعيًا قصة عمرو بن يربوع.

روى أبو زيد الأنصاري [ت 215 ه] عن المفضل الضبي [ت 168 ه] قوله:"بلغني أن عَمرًا هذا تزوج السعلاة، فقال له أهلُها: إنك تجدها خير امرأة ما لم ترَ برقًا، فَسَتِّرْ بيتَك ما خِفتَ ذلك، فمكثَت عنده حتى ولدَت له بنين، فأبصرَت ذات يومٍ برقًا، فقالت [رجز] [1] :"

الْزَمْ بَنِيكَ عَمْرُو إِنِّي آبِقُ = بَرْقٌ عَلَى أَرْضِ السَّعَالِي آلِقُ

وقولها هذا - إن صحَّ إليها - دالٌّ على أن البرق اللامع من أرض السعالي قد أثار حنينها إلى قومها، ومن ثمة كان تحذيرهم له بألا ترى البرق، وقد ظل زمانًا يفعل، حتى إذا ما غفل عنها ورأَت البرق، قالت البيت السابق، ورحَلَت ولم يرَها بعد ذلك، ومن ثمة ندرك سر استدعاء أبي العلاء لاسم العَلَم عمرٍو والسعالي [2] .

وهو لا يقصر أمر الحنين والشوق إلى الوطن على الإبل وحدها، وإنما به هو حنين وشوق يطرد النوم من أن يلمس جفنيه؛ لأنه إن لامسها تراءى له وطنه؛ لكثرة ما يتمثَّله في يقظته؛ ولذلك

(1) أبو زيد الأنصاري: النوادر في اللغة - تحقيق ودراسة د/ محمد عبدالقادر أحمد ص 422 - ط 11981 م - دار الشروق.

(2) في حديث الجاحظ عن قصة عمرو بن يربوع والسعالي؛ إشارة إلى رفضه مثل هذه القصص، واعتبارها من قبيل الخرافات والأباطيل التي كلف الأعراب بقصها على الناس. انظر: الحيوان - تحقيق وشرح عبدالسلام هارون 1/ 186 - الهيئة المصرية العامة للكتاب 2004 م - ضمن مكتبة الأسرة. وقد عرف الجاحظ السِّعلاة بأنها"اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغوّل - تتلون وتتحيل - لتفتن السُّفَّار"الحيوان 6/ 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت