يطرده حتى لا يلامسه، والمعري في تصويره هذا المشهد الصراعي بينه وبين النوم يستدعي قصة سامرِيِّ موسى عليه السلام فيقول [1] :
بَكَى سَامِرِيُّ الْجَفْنِ أَنْ لاَمَسَ الْكَرَى = لَهُ هُدْبَ عَيْنٍ مَسَّهُ بِسِجَالِ
لقد كان من أمر السامريِّ الذي أضلَّ بني إسرائيل عندما أخرج لهم العجل، فعبَدوه من دون الله عزَّ وجل في غيبة موسى عليه السلام، وقلة حيلة هارون أخيه عليه السلام معهم، ولما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل وحرَّقه ونسَفَه في اليم، وذلك ما يحكيه القرآن الكريم: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه: 97] .
وكان ابتلاء الله تعالى للسامريِّ وقومه بالتقذُّر، فإذا لامَس رجلٌ منهم إنسانًا اغتسل؛ وذلك ما أراده أبو العلاء باستدعائه السامري والملامسة، ذلك أن جفنه - وهو المشتاق إلى وطنه - إذا لامسه الكرى، ولامس هذا الجفنُ الجفنَ الآخر غسلَه - كما يحدث مع السامري وقومه - وطهَّره من ملامسة الأول بدموع عينه.
ومثلما استدعى المعري اسم العَلَم؛ استدعى أحمد شوقي الكنية للعَلَم، خاصة في غيبة اسم العلم، أو شيوع الكنية، أو كون السياق الذي وردَت فيه لم ينص إلا عليها؛ فهو يَستدعي أمَّ نبي الله موسى عليه السلام قائلًا [2] :
بِنَّا فَلَمْ نَخْلُ مِنْ رَوْحٍ يُرَاوِحُنَا = مِنْ بَرِّ مِصْرَ وَرَيْحَانٍ يُغَادِينَا
كَأُمِّ مُوسَى عَلَى اسْمِ اللهِ تَكْفُلُنَا = وَبِاسْمِهِ ذَهَبَتْ فِي الْيَمِّ تُلْقِينَا
فإنه رغم ضيق مصر عليه - رغمًا عنها - فإن محبته لها تُشعره بروح وريحان منها يمسيه ويصبحه، فهو وإن كان بعيدًا عنها؛ فإنها تراوحه بروائحها الطيبة في الغدو وفي الرواح، وتكلَؤه وتراعاه رغم لفظها إياه، كأنها أم موسى عليه السلام تُلقيه في اليم؛ لتحفظه وتكفله - بأمر الله
(1) شروح سقط الزند 3/ 1190.
(2) الشوقيات 2/ 105.