-مِن أن يقتله فرعون، وفي ذلك نجد الشاعر يتناصُّ مع قول الله عز وجلَّ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] .
ومن شدة حنينه وحبه لوطنه، هذا الحنين الماثل في ريحان مصر الذي يراوحه ويغاديه؛ فإن صبره على البعد لا يُعينه على الجلَد؛ لإحساسه بطرده من أرضه المغلوبة على أمرها، فيطول ليله، وتكاد جراح الفراق أن تَقضيَ عليه، فيقول [1] :
يَا مَنْ نَغَارُ عَلَيْهِمْ مِنْ ضَمَائِرِنَا = وَمِنْ مَصُونِ هَوَاهُمْ فِي تَنَاجِينَا
نَابَ الْحَنِينُ إِلَيْكُمْ فِي خَوَاطِرِنَا = عَنِ الدَّلاَلِ عَلَيْكُمْ فِي أَمَانِينَا
جِئْنَا إِلَى الصَّبْرِ نَدْعُوهُ كَعَادَتِنَا = فِي النَّائِبَاتِ فَلَمْ يَأْخُذْ بِأَيْدِينَا
وَمَا غُلِبْنَا عَلَى دَمْعٍ وَلاَ جَلَدٍ = حَتَّى أَتَتْنَا نَوَاكُمْ مِنْ صَيَاصِينَا
وَنَابِغِيٍّ كَأَنَّ الْحَشْرَ آخِرَهُ = تُمِيتُنَا فِيهِ ذِكْرَاكُمْ وَتُحْيِينَا
نَطْوِي دُجَاهُ بِجُرْحٍ مِنْ فِرَاقِكُمُ = يَكَادُ فِي غَلَسِ الأَسْحَارِ يَطْوِينَا
إِذَا رَسَا النَّجْمُ لَمْ تَرْقَأْ مَحَاجِرُنَا = حَتَّى يَزُولَ وَلَمْ تَهْدَأْ تَرَاقِينَا
لقد عبر العرب عن الليلة الطويلة التي لا تنقضي بأنها ليلة النابغة [2] ، وهذا ما شعر به شوقي وقد سيطرَت عليه مشاعر الحنين والشوق إلى الوطن؛ ومن ثمة أرَّقه البعد، وأطال ليلَه حتى عبَّر عنه في البيت الخامس بأنه نابغيٌّ؛ في إشارةٍ تناصية إلى الشاعر الجاهلي المشهور النابغة الذبياني، الذي كان كثير الشكوى من طول ليله الذي لا ينقضي؛ بسبب سوء علاقته بالملك النعمان بن المنذر في قصته المشهورة، عندما وصف المتجرِّدةَ زوجته، وقد هرب إلى الشام تاركًا العراق، متحاشيًا انتقام الملك، فقال النابغة في ذلك وهو بالشام [طويل] [3] :
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ ناصِبِ = وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَوَاكِبِ
(1) السابق 2/ 106 - 107.
(2) الثعالبي: ثمار القلوب - سابق - ص 643.
(3) النابغة الذبياني: ديوانه - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 40 - ط 2/ 1985 م - دار المعارف.