فالذي دفعه إلى الرحيل عن بغداد وفراق أهلها أمران؛ أولهما: والدته التي جاءه خبرُ مرضها، ورغبتها في رؤياه وقد شعَرَت بدُنُوِّ الأجل، وأما ثانيهما: فهو ماله الذي صار مسفوتًا قليلَ البركة والمؤنة.
ويؤكد أن تركه مدينة بغداد، وركوبه الفلَوات مسافرًا مرتحلًا قد كان رغمًا عنه؛ برجائه لقاء والدته التي لم يمهلها القدر حتى يلقاها ابنها الغائب عنها، ولعل مرضها هذا وما أعقبه من وفاتها قد كانا وراء لاميته الشهيرة في الحنين للوطن؛ تلك التي سنَقف عندها وقفة مستأنية مع غيرها من أشعار حنينه لوطنه، رغم حبه لبغداد.
وهذا الحب الذي يُكنُّه لبغداد وأهلها لم يكن ليمنعه من الشعور بالغربة والحنين إلى وطنه الأم وهو معرة النعمان، ومن ثمة كانت قصيدته التي سجل فيها"أدقَّ خواطره - في لاميته الرائعة - التي أنكر فيها على الإبل أن تعذبه بتحنانها، رغم ستره لوجوهها كيلا تلمح البرق المتعالي، ولولا ما بينه وبينها من تعاطُفٍ لأمر صاحبه فذبحها؛ كي ينجوَ مما تُثير فيه من لواعج الحنين وأشجان الغربة" [1] .
وعلى هذا النحو كانت لاميته تلك تعبيرًا فنيًّا صادقًا عن حنين جارفٍ إلى الوطن الذي فارقه، وتعميقًا لكل المعاني الإنسانية التي أخذ على عاتقه عبء الانتصار لها، ومع ذلك فإنه لم ينسَ نفسه، أو لم تُنسه تلك المواقفُ نفسَه،"وعواطفه الإنسانية التي تركزت في الأم بعد وفاة الأب عام 395 ه، فهي إن كانت قد أذنت له بالسفر، إلا أن طيفها ما فارقه في يقظة أو منام، وهو على صلة روحية حميمة بها حتى ليسقط اشتياقه الطاغي إليها على اهتياج نوقه بما يُذكرها بأوطانها الشامية" [2] .
ولم يقف الشعور بالحنين إلى الوطن عند المعرَّة - الوطن الأمِّ - وحدها، وإنما كان يشعر بالحنين الجارف إلى بغداد، خاصة بعدَما تركها قافلًا إلى بلده الأم؛ فهو"لم يكد يعود من بغداد حتى"
(1) د/ بنت الشاطئ: أبو العلاء المعري ص 100 - 101 - سلسلة أعلام العرب رقم 38 - الدار المصرية للتأليف والترجمة - القاهرة 1965 م.
(2) د/ صالح حسن اليظي: الفكر والفن في شعر أبي العلاء المعري ص 35 - دار المعارف 1981 م.