الصفحة 7 من 33

أخذَت نفسُه تذوب حسرات لفراقها" [1] ، ومما يدل على ذلك قوله في وداع بغداد [طويل] [2] :"

أُوَدِّعُكُمْ يَا أَهْلَ بَغْدَادَ وَالْحَشَا = عَلَى زَفَرَاتٍ مَا يَنِينَ مِنَ اللَّذْعِ

وَدَاعَ ضَنًى لَمْ يَسْتَقِلَّ وَإِنَّمَا = تَحَامَلَ مِنْ بَعْدِ الْعِثَارِ عَلَى ظَلْعِ

إِذَا أَطَّ نِسْعٌ قُلْتُ وَاللَّوْمُ كَارِبِي = أَجِدَّكُمُ لَمْ تَفْهَمُوا طَرَبَ النِّسْعِ

فَبِئْسَ الْبَدِيلُ الشَّأْمُ مِنْكُمْ وَأَهْلُهُ = عَلَى أَنَّهُمْ قَوْمِي وَبَيْنَهُمُ رَبْعِي

أَلاَ زَوِّدُونِي شَرْبَةً وَلَوَ انَّنِي = قَدَرْتُ إِذًا أَفْنَيْتُ دِجْلَةَ بِالْجَرْعِ

وَأَنَّى لَنَا مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ نَغْبَةٌ = عَلَى الْخِمْسِ مِنْ بُعْدِ الْمَفَاوِزِ وَالرَّبْعِ

وعلى هذا النحو من الوداع الحزين لأهل بغداد يبدو الحنين، حتى وهو لم يغادرْ بعدُ حيث الحشا الممتلئ بالزفرات التي تحرقه؛ كالنار اللاذعة التي تكشف عن عدم صبره على مفارقة بغداد، تلك المفارقة التي لا يصبر عليها الجماد، وهو النِّسع [3] الدال على نُحول البعير ودقة أوساطه؛ جزعًا على فراق بغداد الموطن والمكان العزيز على النفس، ذلك الموطن الذي لم يكن بديله في رحلة الوداع سوى الشام حيث معرَّةُ النعمان، وهو بديل بئيس مذموم، رغم أنه موطن قومه.

وثمة أشعار أخرى تُشير إلى عاطفة الحنين إلى المكان؛ المعرة، أو بغداد،"فهو طامح إلى بغداد إن كان بالمعرة، وهو مشوق إلى المعرة إن كان في بغداد" [4] ! وتلك الأشعار سوف تكشف لنا عن عناصر الحنين إلى الوطن/ المكان، وما يستدعيها من المشاعر والعواطف عند المعري.

(1) د/ طه حسين: مع أبي العلاء في سجنه ص 80 - دار المعارف 1981 م.

(2) شروح سقط الزند 3/ 1349 - 1351.

(3) النِّسْع بكسر النون وسكون العين: سير مضفور يُشد به رحل البعير.

(4) مع أبي العلاء في سجنه - السابق الموضع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت