ونحن مع أبي العلاء المعري نستطيع إدراك سر لجوئه للحديث عن الناقة في لاميته التي يحنُّ فيها إلى موطنه الأم معرة النعمان، وهو مقيمٌ ببغداد التي أحبها، ونالت من قلبه المكانة الكبيرة، فكيف يُساوق بين حبه لبغداد وحبه وحنينه للوطن الأم؟! كيف يوهم المتلقِّيَ أنه يجمع بين العاطفتين في آنٍ معًا؟! لا شك أن اللجوء إلى المعادل الموضوعي/ الآخر وإسقاط هذه العواطف عليه، هو الرغبة في تصوير نفسه بصورة هذا الآخر؛ وذلك ما نراه في قوله من مطلع لاميته تلك [طويل] [1] :
طَرِبْنَ لِضَوْءِ الْبَارِقِ الْمُتَعَالِي = بِبَغْدَادَ وَهْنًا مَا لَهُنَّ وَمَا لِي
سَمَتْ نَحْوَهُ الأَبْصَارُ حَتَّى كَأَنَّهَا = بِنَارَيْهِ مِنْ هَنَّا وَثَمَّ صَوَالِي
إِذَا طَالَ عَنْهَا سَرَّهَا لَوْ رُؤُوسُهَا = تُمَدُّ إِلَيْهِ فِي رُؤوسِ عَوَالِي
تَمَنَّتْ قُوَيْقًا وَالصَّرَاةُ حِيَالَهَا = تُرَابٌ لَهَا مِنْ أَيْنُقٍ وَجِمَالِ
ولعل في استدعاء الشاعر للإبل التي حنت إلى المعرة عندما رأت ضوء البرق بعد مُضِيِّ جزء من الليل في هذا السياق - ما يشير إلى مكانتها من نفسه؛ تلك المكانة التي يمكن التماحها في اتخاذها معادلًا موضوعيًّا، يُسقط من خلاله عاطفة الشوق والحنين إلى موطنه، وقد برَز هذا الشوق والحنين من خلال مثير خارجي غير لفظي، هو رؤيتها لهذا البارق المتعالي من ناحية المعرَّة، حتى كأنها تمنت لو أن رؤوسها قُطِعتْ ورفعت على عوالي الرماح كلما ابتعد عنها متعاليًا ذلك البارق لتشارك المعريَّ الدافعيةُ نحو العودة إلى الوطن عندما حرَّكه ذلك المثير غير اللفظي - الكامن في مرض الأم وقلة المال - وهما الدافعان اللَّذان حقَّقا من نفسه حتمية العودة مثلما حققت رؤية البارق القادم من المعرة رغبة الإبل في العودة إليها، وهو ما هيَّجَ حنينه إلى المعرة كذلك، وإلا لما دعا عليها هذا الدعاء: تراب لها من أينق وجمال، كما ورد في الشروح [2] .
(1) شروح سقط الزند 3/ 1162 - 1167.
(2) شروح سقط الزند 3/ 1165 - 1166.